السلايد الرئيسيحصاد اليومقراءات نقدية

شعريّة التدفّق عند الفرعي

وديع فرح

أتجرّد في قراءتي هذه من كلّ مكبّل أو قيد مجّاني أرسته نمطيّة النقد والتحرير؛ فليس “الفرعي” ضيفاً جديداً على عزلتي والقيم التي أَنْتَجَتْها، إنما هو ضمير صاحي أشقى الضمائر المتخاذلة وحجّمها، وحجّم أناشيد الرعب والهلع التي تدجّنها حكوماتنا وشاشاتنا العربيّة يوميّاً.

فضح اغترابنا عن أنفسنا واستشراقنا الداخليّ، ألمح لعجزنا وواسانا، أوجد حلّاً وأخفاه عنّا؛ ثمّ تركنا نتقفّى تدفّقاته الذرّية لينفجر الحلّ فينا.

طارق أبو كويك

الفرعي أو طارق أبو كويك فنّان عربيّ أعاد صوته المبحوح ذاكرة الصراخ في الميادين، صوت أعاد إنتاج الثورة وإدغامها في خطاب شعريّ وتعرويّ يجاهر بعروبيّته المسروقة وحلم شبابنا الضائع في غياهب الأروقة الدوليّة.

واعترف هنا بخشياني من الانجراف بلغة ذاتيّة كانت تبحث عن ضالتها وأوجدتها واحتفت بها، فنسيت أن تنصفها؛ لذا يمكن اعتبار هذه القراءة ومن ثمّ الشهادة، شهادة مجروح بها لفنّان أعاد للعربيّة صوتها وانسجامها.

شعريّة التدفّق .. رسالة إلى الشباب العربيّ

ببالغ السهولة تنتقل بين كلمات الفرعي المتدفّقة، تحاول أن تنسجها رويداً رويداً لتكتمل الصورة المنقوصة بطبيعتها. لكنّك إذا نظرت إلى الكلمات في نصّها؛ فستراها مفكّكة لا تتسق بعضها ببعض؛ وإنّما هي أشبه (برسائل تلغرافية) كلّ منها يذهب إلى عنوان مختلف.

وإذا أعدتَ سماعها فستجد نفسك أمام نصّ لا يكتمل إلا في ذهن مستمعهِ، نصّ يقفز من قضية إلى أخرى دون تمهيد، ويروح ويجيء بين الماضي والحاضر والمستقبل، أزمان تنتمي إلى مكان شاءت الأقدار ألّا يتغيّر، وألَا تتغيّر مشكلاته أو تتبدّل أو تتعقّد أو تصير أسهل.

ويختار الفرعي لنفسه من هذه الأزمان وهذا المكان أرضه التي يحفر فيها ليتعرّف ويعرّفنا على طبائعها ونواقصها وخصوبتها وعواقرها، ولكن كلّ ذلك ضمن شعريّة مستحدثة استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً في ضمائر المستمعين.

فأنا لا أتردّد حين أقول أنّ الفرعي وطّن نوعاً جديداً من الكتابة الشعريّة؛ ففي الماضي كنا نتحدّث عن شعريّة القصيدة الموزونة ومن بعدها شعريّة قصيدة التفعيلة وليس بعيداً من اليوم بدأنا نسلّط الضوء على شعريّة الرواية والقصيدة النثريّة؛ إلا أنّنا الآن أمام شعريّة التدفّق.

تعمد أسلوبيّة الفرعي إلى تكسير الانتظام الإيقاعيّ للتدفّق من خلال تبديل القوافي والسكتات الإيقاعيّة المنتظمة، والعودة من بَعدْ إلى القافية عينها لإعادة الإيقاع إلى تدفّقه الأصيل كما نرى في هذا المقطع: “تستنكر بالدين\ صبرنا لياسر صلب ما بلين\ ما بخاف من العساكر متعوّد من سنين\ وحامل على حاله الحرية زي كرسي الشيخ ياسين\ الفرعي فكرك بنتظر؟!\ حرارة عالية بنصهر\ ما كلّه بيومه بينشغل\ وفي المنسيين” فمن الياء والنون بدلالته في المعاناة والألم والحزن بالأشطر الأربعة الأولى إلى الراء ذات الدلالة الحركية والفعالية النشطة في الشطرين اللاحقين ثمّ اللام ونهايةً إلى الياء والنون.

وتشتغل هنا اللهجة المحكيّة للأردنيّة_ والفلسطينيّة على خلق الامتياز الشعريّ للتدفّق؛ لما تمنحه من حرّية للصوت في خلق الدلالة والانسجام معها خارج القواعد التقليديّة لشعريّة القصيدة العربيّة الفصيحة، على الرغم من إصرار الفرعي على وزن “مُنفعل\ينفعل” الضابط الإيقاعيّ لجسد التدفّق: ( بنتظر، بنصهر، ينقبل، ينهبل، ينخدع، ينصرع ..إلخ).

والكلمات هنا لا تبحث عن قافية لتستقرّ فحسب، وإنما عن استيعاب شامل لقضايا واسعة النطاق في أسلوب كتابيّ مقفّى؛ يتدفّق لا ليرتبط ككلّ منسجم وإنّما لينفجر واصلاً بذلك إلى كلّ الأطراف المحيطة بقضيته المطروقة، حتّى لو بدت العبارات المشكّلة لجسد التدفّق غير متصلة كما يُفترض بالقصيدة النثريّة أو التفعيلة أو الموزونة:

“بفضّل أكتب التدفق على وزن كلمة منفعل\ الواقع لمّا بينقبل مش معناته ننهبل\ والسيّد بانكي مون كلامه كلّه مُبتذل\ بجوز كان يرضينا أيام التسعينات\ هذا زمن سفن المساعدة وشباب القاعدة على التشات\ المتضامن الأجنبي في بيوت المقاومة ببات\ وفلسطيني الشتات لّما بيصحى من السبات\ راح مفعول المخدّر\ الفرعي يُقدّر\ زوال الاحتلال قبل مجيء الأعور\ شفنا الدجّال\ عشنا وشفنا يا خال\ ما ضلّش مكان للإنسانية عليه تدهور\ فعربي مش تتهوّر\ وتستنكر بالدين\ صبرنا لياسر صلب ما بلين\ ما بخاف من العساكر متعوّد من سنين\ وحامل على حاله الحرية زي كرسي الشيخ ياسين\ الفرعي فكرك بنتظر؟!\ حرارة عالية بنصهر\ ما كلّه بيومه بينشغل\ وفي المنسيين\ تناحة أني أفتخر\ غضبي جوا ينفجر\ زيت زيتون بينعصر\ ليوم الدين\ سياسة دين تختَلط\ الإعلام بقول غير مرتبط\ على حاله بس ما بيشترط\ أفلامك هاي على مين؟؟\ العربي مرّة بينخدع\ مرّتين بالجورة بينبلع\ تلاتة الشعب بينصرع\ صرنا مجانين!”.

فهذا مقطع من تدفّق (تدفّق المخطّط) من ألبوم (صوت من خشب) فيه يعالج الفرعي العديد من الجزئيات المتعلّقة بالواقع العربيّ والفلسطينيّ، فيعجن الذاتيّ بالموضوعيّ ويخلط الحاضر بالماضي حتّى لا يكاد يكون بمقدورك استيعاب هذا الكلام إلا بوصفه عبارة واحدة طويلة جدّاً تعبّر عن أزمة العالم العربيّ وخاصّة فلسطين.

ففي مطلع المقطع يؤكّد الفرعي على الانفعال الذي يتولّد عنه التدفّق، ثمّ يذكّرنا بمواقف بانكي مون (الأمين العام لمنظمّة الأمّم المتحدّة) عندما أيّد منع دخول سفن المساعدات إلى قطاع غزّة المحاصر في عام 2011 (1)، على سبيل المثال.

ثمّ يعيّن هذا الزمن الذي كثرت فيه المساعدات للبلدان العربية المنكوبة (كفلسطين) وتفاعل المتطرّفين دينياً على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وتكالب الأنظمة العربيّة على القضية الفلسطينيّة المركزيّة، ويحذّر العربي من الاستنكار للدين في وقت فيه يتماشى هذا الاستنكار والأطماع الخارجية، ويركّز على ضرورة التمسّك بحقّ الحرية وعدم الخوف من العسكر، وينتهي إلى حالته كعربيّ ووضع الإعلام الذي بات يخادع ويضلّل، ولكن يسأله: على مين؟ ومنه إلى التقييم النهائيّ فـ” صرنا مجانين”.

هكذا تتتابع القضايا والجزئيات في تدفّقات الفرعي لتؤدّي مجمل أهداف الرسالة: من إخبار وتحذير وتقييم وتوصيف، في أسلوب فنّي يعتمد على عناصر عدّة أهمّها التدفّق الكلاميّ المقفّى (الذي هو أشبه برسائل تليغراف قصيرة وسريعة من مرسل واحد ولكن إلى ملايين المستلمين)، بالإضافة إلى إيقاعات الغيتار السريعة والملائمة لطبيعة النصّ المكتوب، وأيضاً العلامات المرجعيّة: (المتمثّلة في البعد التاريخيّ والجغرافيّ والسياسيّ والمجتمعيّ) الملتحمة مع العلامات الإشاريّة: ( الزيتون، الدين، الحرّيّة ..إلخ) لتشكيل دلالة نصّ التدفّق.

ولكن كيف استطاع الفرعي أن يعيد إحياء خطاب عربيّ قوميّ كان على حافة مواتهِ؟

منطق التدفّق في مواجهة عبث الحكومات والواقع العربيّ

العربي. كلمة باتت اليوم دونما تعريف واضح؛ فهل العربي هو الشخص الناطق باللغة العربية؟ أم أنّه الشخص المسلم والناطق باللغة العربية معاً؟ أم أنّه الشخص الذي ينشأ في رقعة جغرافية معيّنة؟.

وحتّى ولو اختلفنا على تعريف العربيّ، يبقى لنا أن نسأل عن المشترك عملياً بين العربيّ السوريّ والعربيّ الأردنيّ والعربيّ اللبنانيّ والعربيّ العراقيّ ..إلخ ؟ فما هو المشترك؟ أهي سياسات القمع المبرّرة بمحاربة الإرهاب الناتج عن الفساد الحكوميّ والتهميش المتقصّد لفئات بعينها من الشعب؟ أم هو واقع عربيّ مزر وغياب للتنسيق المشترك وانتشار للعمالة السياسيّة الأجنبيّة!

أو أنّه بيع الأراضي والتطبيع في العلن والخفاء؟ ولّا هو التآمر مع الكيانات القومية الأجنبية على المواطن العربيّ؟ أم تمويل الجهات الطائفية والمناطقية بغية التقسيم؟ تحقير الـ(نحن) على حساب الآخر؟ إسكات الصوت القوميّ العربيّ باستذكارات سوفيتيّة وفاشيّة لا تتصل والسياق الراهن بشيء؟ إنكار الحاجة الماسّة لاقتصادات مشتركة وعملة موحّدة ومشاريع مستقبلية؟.

إنّها الأسئلة المضمرة في أشطر الفرعي المغنّاة، وهي أيضاً الأسئلة الوجودية التي استيقظت على صداها كلّ الشوارع العربيّة، فلماذا ثمّة عجز اقتصادي ونحن نملك كرقعة جغرافية ممتدة 62.5 من احتياطيّ الطاقة النفطيّة العالميّة(2)؟

لماذا كلّ هذا القمع والإجرام؟ ولمَ كلّ أولئك القادة في كراسيهم؟ لماذا يقف الإعلام الحكومي مع السلطة بينما الشوارع تنضح بالدماء والجثث المسجّاة على الأرصفة؟.

هكذا يستفيق العربي على أزمة وجود وهويّة كما هي حال الفرعي فيغنّي:

“مش رح نضلنا تحت / رح نطلع لفوق ونعلى/ رح ندحش إيدنا بالمستقبل/ نتناول عيشة أحلى/ ما تنسوا إنّه دمّ الشهيد زيّ النبيذ/ لمّا بتمرّ الأيّام و السنين بيتعتّق وبضلّه يغلى/ (..).
فالقامع والمقموع/ ممانع الممنوع/ فكر انهزامي يُموَّل ويصبح مزروع/ بس الجيل الثالث في الداخل بدأ بالرجوع/ ما صحيتش اليوم عالفاضي قال أشرّعن المشروع!/ فرع المداخل كنت عطشان لقيت ينبوع/ لا مستني موافقتكم ولا المرئي والمسموع/ أنا مش عم ببيع تطبيع/ ضروري تصير تميّز ركّز يا كويس البحر كويس يا ريس تفيّز ما تفيّز مش هذا هو السؤال بحلق بالتصريح.. هذا الاحتلال/ (..).

لازمة: استشراق داخلي واستغراب من الجميع استشراق و إراقة دمّ .. كان في العراق الدمّ.

كان نفسي أكتب تدفّق ما فيه ملام/ كلّ ما ألحّن أغنية بتطلع على نفس المقام/ إحنا شعب مهزوز/ شعب مُستفز/ فاتحمّسنا على الربيع زي دودة القزّ/ تتعدّد الطرق بتعدّد المسالك/ بس ليش دايماً بدّكم الأكثر عموماً من ذلك؟/(..).
ألوان كثيرة ومخلوطة لأيّ لون بتميل؟/ أي إشي بتحاول تروّجه رح أعمل منه بديل/ سمّيها موسيقى بديلة/ مواقف نبيلة/ الهوس بالآخر/ التعصّب للقبيلة/ أنا عمّ بحاول أبالغ بس بتضلها قليلة./ (..)

أخوك الفرعي مش الإشي العربي اللي عم بتحسّ فيه من فترة/ بكره الصورة النمطيّة وبكره هاي النظرة/ في بنت بين الجمهور زاكية وعينيها حور/ لازم تعرف إنّها منسجمة لأنّها حاملة بقلبها جمرة/ قال كيف كانت بيروت؟ شايفني طالع سهرة!/ أنا مش سائح سجّان/ أنا واحد من الأسرى/ أنا من آل عمران فأختي بتكون العذراء/ وبتضل الأرض هاي كُلّها إلي لو بقسّموها مية مرّة.

استشراق داخلي واستغراب من الجميع استشراق وإراقة دمّ كان في العراق الدم.”

استيقظ الفرعي وكسّر كلّ منبهاته، وخرج ليخاطب الشباب العربيّ ويبشّرهم بمستقبل أفضل؛ فقامعو الشعب، المقموعون من الخارج، زرعوا فكراً انهزاميّاً وموّلوه، ولكن كما رأينا في ثورتنا أنّ الجيل الجديد أخذ يستفيق، ولا آتيكم اليوم كفرعي لأشرّعن قولي وإنّما التفكير بالمصالح القوميّة للعربيّ هو الينبوع الذي يروي عطشي، وليس خطابي كخطاب حكوماتكم التطبيعيّ مع الكيان الصهيونيّ!.

وأنت أيّها العربيّ لا فرق إن حصلت على تأشيرة للسفر إلى الخارج أو لم تحصل؛ لأنّ الاحتلال موجود وإن لم يقف في وجهك سيقف في وجه أهلك وناسك بعد رحيلك.

وفي لازمة التدفّق يلخّص الفرعي مشكلة العقل السياسيّ العربيّ؛ فما كانت تقوم به القوات الاستعماريّة لتقويض الحقوق واحتكارها بتنا نحن ضامنوه عبر الـ”استشراق الداخليّ”.

المفكّر الفلسطينيّ _الأمريكيّ إدوارد سعيد

والاستشراق اصطلاحاً يعني علم الدراسات الشرقيّة، وهو العلم الذي دأب من خلاله مستشرقي الغرب على دراسة المجتمعات الشرقيّة والشرق أوسطيّة، إلا أنّ المفكّر الفلسطينيّ _الأمريكيّ إدوارد سعيد صاغ المصطلح لا ليعبّر عن فرع علميّ وإنّما عن نمط في التفكير، فيدوّن سعيد في كتابه “الاستشراق” موضّحاً عمق الإشكالية الغربيّة الشرقيّة:

” الشرق محض خيال (بالنسبة إلى الغربيين)، فالشرق جزء لا يتجزّأ من الحضارة الماديّة والثقافة الأوروبيّة. والاستشراق يعبّر عن هذا الجانب ويمثّله ثقافيّاً، بل وفكريّاً، باعتبار الاستشراق أسلوباً للخطاب، أي للتفكير والكلام، تدعمه مؤسّسات ومفردات وبحوث علميّة، وصور، ومذاهب فكريّة، بل وبيروقراطيّات استعماريّة وأساليب استعماريّة.”(3)

فسياسات بعض الأنظمة العربيّة اليوم، بالنسبة إلى الفرعي، تقوم بما كان يقوم به المستشرقين وبوظيفة الاستشراق، التي هي حيونة الإنسان العربيّ لتسهل عملية طمسه أمام المجتمع الدوليّ وبالتالي نهب ثرواته استعماريَاً.

فالمستشرقين وصفوا العرب بكتاباتهم: بتمنّع عقلهم عن استخلاص أيّة حكمة من الحياة(4)، وبضحالة فكريّة تعجز عن إدراك المنطق الأوروبيّ(5)، وبانصباب اهتمامهم على اللحظة دون المستقبل(6)، واصمين المسلمين بالنفاق كصفة عامّة(7)، ومن هؤلاء المستشرقين _ جرترود بيل ولورانس وآخرون_ إلى الساسة وبعض الأنظمة العربيّة التي لم تفتأ تموّل الإرهاب وتتآمر مع القوى الأجنبيّة وفقاً لموازين القوى والمصالح الاقتصاديّة ما يحدو بها لتبدو أكثر استشراقاً من المستشرقين عينهم.

فيفقّرون ويهمّشون الشعوب العربّية (ما يؤدّي إلى تخلّفهم بالضرورة) من خلال محاصرتهم، ثمّ يموّلون بعضهم فيصيرون إرهابيين، ليأتوا نهايةً ويحاربوا الإرهاب مع الدول الأجنبيّة، فتتفكّك الدول والشعوب وتتراجع اقتصاديّاً وعلميّاً وفكريّاً ما يسهّل على الاستعمار نهب خيراتها بمساعدة هذه الأنظمة العربيّة!.

وتتلو هذه العبارة من اللازمة، عبارة “استغراب(*) من الجميع”؛ بحيث ينحو العرب إلى أن يصيروا غربيين ثقافياً ما يجعلهم منعدمي الحساسية اتجاه قضاياهم الكلّيّة والمركزيّة ومائعين بطبيعة الحال لما في ثقافة الغرب من سيولة معنى.(8)

“استشراق وإراقة دمّ .. كان في العراق الدمّ” ويذكّرنا ههنا الفرعي بأنّ هذا الاستشراق الداخليّ هو أساس لكلّ الدماء التي تراق منذ تركت الأنظمة العربية العراق وحيدا ما أدّى لسفك الدمّ منذ الثمانينيات وإلى يومنا هذا، فيؤكّد فاروق قدّومي، رئيس الدائرة السياسيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، ما أتاه الفرعي، بقوله:

“لا يوجد من أخافه أو ما أخشاه فأنا أعرف خبايا بعض الأنظمة العربيّة؛ فهم من كانوا وراء حرب الخليج “الحرب العراقيّة- الإيرانيّة”، حيث كان بمقدور العراق أن يحلّ مشاكله مع إيران وكان هذا لصالحنا.” (9)

ومع انتقالنا للمقطع الثاني يذكّرنا الفرعي بأنّنا نحن كعرب كنا شعوباً مُستفزّةً مهيّأةً للتغيير؛ ولو لا ذلك لما قمنا بثورات الربيع العربيّ، ويؤكّد لنا أنّ أيّ نمط سيحاول ضامنوا هذا الاستشراق ترويّجه سيصنع منه بديلاً، بإمكاننا أنّ نسمّي هذا البديل بما نشاء ولكن علينا أن ندرك أنّه الطريقة الوحيدة لتفادي الواقع المأزوم منذ قرن وإلى يومنا هذا؛ لأنّ الفرعي ليس “سائحاً سجّان بل واحد من الأسرى” وللمفارقة فهو من آل عمران وأمّه تكون القدّيسة العذراء وهذه الأرض كلّها ملكه حتّى ولو قسّمها الاستعمار مائة مرّة.

ولكن هل يرتّل الفرعي صلاة قوميّة يوتيوبيّة لا تتصلّ والواقع العربيّ بشيء؟ وهل كان ثمّة خطّة قوميّة معترف بها وقابلة للتطبيق؟

في يناير 1980 اجتمع ثلّة من خبراء الدول العربيّة بالحبّانيّة _ العراق، في الدورة 28 للمجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ تحت رعاية الجامعة العربيّة، حيث تمّ اعتماد الوثيقة النهائيّة لاستراتيجيّة العمل الاقتصاديّ العربيّ المشترك؛ بعد تعديلها في الاجتماع المشترك لوزراء الخارجيّة والاقتصاد العرب، وطُلِبَ من الأمانة العامّة للجامعة العربيّة بالتعاون مع أمانة مجلس الوحدة الاقتصاديّة وضع إطار الخطّة القوميّة وسبل تمويلها، ووسائل تنفيذها.

وعن هذه الوثيقة يكتب الطاهر بن عريفة نصّاً جاء فيه أهدافها التالية:

“تنطلق استراتيجيّة العمل الاقتصاديّ العربيّ في مواجهة سلبيات الواقع العربيّ المتمثّلة في التجزئة، والتخلّف الاقتصاديّ والاجتماعيّ، والهيمنة الاستعماريّة خاصّة الاستعمار الصهيونيّ في فلسطين، والغزو الفكريّ الذي يستهدف الشخصيّة والحضارة العربيّة.”(10)

وأضاف: ” تنطلق الاستراتيجيّة من ثوابت هي تحرير الإنسان العربيّ، والأمن القوميّ (عسکريّ، غذائيّ، تقنيّ)، التصدّي للوجود الصهيونيّ، تقليص الفجوة التنمويّة بين الأقطار العربيّة، التكامل الاقتصاديّ بهدف تحقيق الوحدة.”(11)

وأكّد: “لقد وضعت هذه الاستراتيجيّة أوّلويات تتضمّن تغطية الفترة الزمنيّة من 1981 – 2000 وهذه الأوّلويات هي تعزيز القدرة العسكريّة، تنمية القوى البشريّة وضمان حرّيتها في الحركة، اكتساب التقنيّة وتوظيفها، وتحقيق الأمن.” (12)

ومن المشروع أن يتساءل المرء منّا أين الجامعة العربيّة والمجتمع العربيّ من خطّته الاستراتيجيّة هذه؟

فإذا كنا نحكي عن التجزئة فها هي ليبيا اليوم بعد ثورتها، منقسمة على نفسها بين الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر المدعوم من فرنسا والسعودية والإمارات وروسيا وحكومة الوفاق الوطنيّ المدعومة تركياً وبينهما مدّ وجزر تحدّده العمليات العسكريّة والتدخّلات العربيّة والتوافقات الأجنبيّة والصفقات الاقتصاديّة.(13)

ولا تختلف حال ليبيا عن حال اليمن المنقسمة بين حوثيين مدعومين من النظام الإيرانيّ وبعض الأنظمة العربيّة، وحكومة مدعومة من السعوديّة والإمارات.(14)

أمّا على مستوى التخلّف الاجتماعيّ والاقتصاديّ فلم تشهد المنطقة، منذ 3 قرون وحتّى مطلع الألفيّة الثانية، ما تشهده اليوم من ظهور لجماعات إرهابيّة ومرتزقة حربيّة وتطرّف لا يمكن وصفه إلا بأعلى مراحل التخلّف الاجتماعيّ؛ أمّا عن الاقتصاد فلا يمكن أن تكون المنطقة في حال أسوأ من التي هي عليه في ظلّ هذه الحروب الأهليّة الاستنزافّية والأخطاء الاقتصاديّة، ولا سيّما ليبيا وسوريا واليمن ولبنان.(15)

وفي ما يتعلّق ب”الاستعمار الصهيونيّ” فإنّه على أحسن ما يرام بخططه الجيوسياسيّة وعلاقاته الاقتصاديّة مع الدول التطبيعيّة وباستقراره، لا بل تقدّمه التنمويّ على كافّة الأصعدة.

وعلى صعيد الأمن الغذائيّ فتعدّ سوريا ولبنان واليمن والمغرب من أكثر دول العالم فقراً وتهديداً بانعدام الأمن الغذائيّ، بينما ترزح مصر تحت دين ثقيل، هو الأوّل من نوعه في ظلّ سيادة العسكر.(16)

اليمن بعد الانقسام

أمّا عن التكامل والوحدة وما إلى هنالك من حرّيات الحركة وتوظيف التقاني؛ فلا يسعني سوى أن أذكّر القارئ بما مدى صعوبة حصول العربيّ المغربيّ على فيزا لدول الخليج، وأنّ آخر مليون مهاجر سوري إلى لبنان كانوا من اللاجئين، وأنّ الوحدة لهي كذبة موجعة لم تعد تُسمع سوى بأغاني قوميي مرحلة السبعينيّات والثمانينيّات.

وبما يرتبط بتعزيز القوى العسكريّة سأشير إلى أنّ الجيش السوريّ والجيش العراقيّ والجيش اللبنانيّ وعتادهم مجتمعةً اليوم لا تضاهي نصف ما كان عليه الجيش العراقيّ وحده قبل دخوله حرب الخليج الأولى.

لذلك تكون إجابتنا هي أنّ الفرعي ليس حالماً غارقاً في حلمه وإنّما الأنظمة العربية تنتحر واحدة تلو الأخرى ظنّاً بأنّ من ينجو منها ستكون له السيّادة الأبديّة على المنطقة برمّتها؛ متناسيين لخطّة استراتيجيّة كانوا عقدوا العزم عليها ليحموا بني أوطانهم ويوفّروا لهم كامل الحقوق والكرامات ويطردوا آخر المحتليّن من على أرضهم.

ومن رحم هذا الواقع انبثق تدفّق “ناشف” وفيه يقول الفرعي:

“سياسة دين\ خلافة مين؟\ إزالة رجيم!\ أتى بانقلاب ليحكم من سنين\ كنت مع\ حليف\ ندّ\ أكمن سنة لقدّام الرؤية اللي فبالك بتمدّ\ وإذا مافي خطّة عربيّة قولوا عشان نعرف وين الغلط\ لأن زي ما انت سامع اللسان العربيّ لسّا ما فرط!.”(17)

هذان التدفّقان لم يكونا وحدهما دليلنا إلى هذا الشرح والتحليل، ولكن مشروع الفرعي بالمجمل منذ إصدار ألبومه “صوت من خشب” مروراً بأغنيته “تغيّرتي ليه!” وألبوم “الرجل الخشبي” ووصولاً إلى الأغنية المنفردة الصادرة حديثاً “في العتمة”، لهو مشروع واضح البنى والمقاصد فيه يفصح الفرعي عن بواطن كلّ مواطن عربيّ أثخنته الجراح المستمرّة بسبب أنظمة نرجسيّة لا الخطط التي يقرّها الخبراء والعارفين.

رجل من خشب .. رؤية لعمق المشكلة

لم يكن غريباً أن يعنوّن الفرعي ألبومه الجديد بـ”رجل من خشب”؛ فالمشكلة وعمقها ورحمها الولّاد ينطلق من هشاشة بعض حكّام العرب وذهانهم الهذائيّ أو جنون عظمتهم كما اعتدنا تسمية هذا المرض النفسيّ الخبيث.

فبلادنا العربيّة ما تزال ترزح تحت وطأة الإرادة الذاتيّة للحكام؛ الأموال والميزانيّة العامّة والتوجّهات السياسيّة والأمور المقبولة إعلاميّاً ونظيرتها المهمّشة، كلّها موضوعات تبت بها دواوين المملكات وأبلطة القصور الرئاسيّة والقواعد المخباراتيّة الأكثر تنفّذاً في بلد عربي من هذه البلدان.

ولا يجيء الفرعي هنا إلا ليستنطق هذا الحاكم ويحاكي صوته فيقول في أغنية (رجل من خشب):

” أنا وهم براس فاضي بس همّي كبير\ حرسي اللي معاي بصلواتي قبل التصريح\ بمجّدوني ..
رح يمسكوني يوم إنّي أطيح\ لكنّي من الضغط أنا اعتلّيت\ خزّنت مصاريكم جوا الحيط\ لا تنتخبوني .. لو ما الكمش مصير\ لا تألّهوني .. ملكمش نصير\ أنا لحن براس فاضي إن جاز التعبير\ ثبّتنا الطاعة لمين ولوين فجاز التكبير\ بألّهوني.. رح يكرّروني .. يوم إنّي أزيح\ لكنّي من الضغط أنا انجنيت.. شغلّت مصاريكم برا البيت\ لا تنتخبوني.. وأنا عن الي بيعنيكم استغنيت\ قفلت أغانيكم .. قفلت أغانيكم ما اهتميت\ لا تنتخبوني .. لا تألّهوني .. لا تسمّوني زعيم\ لا تنتخبوني .. لا تألّهوني .. لا تسمّوني زعيم\ واللي إيده في النار بيعرف ليه.”

بالرغم من صعوبة الدور وتعارض الصفات؛ إلا أنّ الفرعي قرّر أن يتلبّس صوت الطاغية هذا ليحفر في تفكيره ويجلّي لنا شخصيته كظاهرة مرضيّة تصيب المجتمعات وتبتليها.

يبدو الطاغية في نصّ الفرعي رجلاً خشبياً هشّاً يصارح شعبه بالحقائق، يحذّرهم، ويتلو عليهم توصياتهِ وأمانيه.

لستُ إلا وهماً مسنوداً على حاشيتي التي ستلتقطني لحظة السقوط، حقيقة الأمر أنّي خزّنت أموالكم وشغّلتها خارج البلاد، ولا تستفسروا كثيراً عن الثورات والتكبيرات التي تسمعونها يومياً في شوارعكم ذلك لأنّي ثبّت الطاعة للعدو، وإذا سقطت لن تلقوا حرّياتكم لأنّ أصحاب القرار في الخارج وحاشيتي في الداخل سيكرّرونني، فأرجوكم لا تنتخبوني ولا تمجّدوني لأنّي أنا من استغنى عن ثرواتكم وأحلامكم، لأنّي أنا من اعتقل أصوات الحرّية في ساحاتكم ومنعت أغانيكم وحناجركم من الصراخ، ولا تطلقون عليّ لقب الزعيم؛ وإذا أردتم معرفة السبب اسألوا الشعوب العربيّة.

ولكن إذا ما استنطقنا حكّام العرب عبر ظاهر أفعالهم وخافيها هل ستتفق هذه الأفعال وما يجيء به نصّ الفرعي المغنّى هذا؟

إنّ شديد الأهمية في هذا النصّ ما يتعلّق بفكرة التكرار، تكرار النظام السياسيّ، وشكل القيادة (عسكريّة)، وميكانيزمات السلطة المرجو من الإعلام تعميمها ولفت الانتباه لها، وتكرار عمليات تقويض حرّيّة الحكومات وأثرها الفعليّ.

فالشعب المصريّ بعد أن أنجز هدف ثورة 25 يناير الأسمى، والمتمثّل في إسقاط الرئيس العسكري حسني مُبارك في عام 2011 وانتخاب رئيس آخر ضمن إطار ديمقراطي، لم تلبث ديمقراطيته المرجوة هذه سوى بضعة شهور تجلّت بحكم الرئيس الإخوانيّ المنتخب محمد مرسي حتّى قامت السلطة العسكريّة بقتل الثورة وتشييع جثمانها بمراسم تنصيب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي نفسه رئيساً انقلابيّاً على مصر.

ميدان التحرير مصر 25 يناير

فكان من بعد ذلك أن أنتجت هذه السلطة الجديدة ذات النظام السياسيّ بذات الميكانيزمات السلطويّة؛ من تقديس للعسكر والعسكرة ومفاهيم القوّة وموضوعات السيادة الوطنيّة وما إلى هنالك من ميكانيزمات كانت رُسّخت طوال نصف قرن مضى تحت حكم العسكر؛ وبذلك تكرّر الديكتاتور بعدَ أن خُلع وبلغة الفرعي “رح يكرّروني يوم أنّي أزيح”.

ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي شهدتها الثورات العربيّة؛ ففي السودان، وبعد أن خرج الشعب السوداني في ثورته ضدّ المنظومة الاستبداديّة العسكريّة المتمثّلة بالرئيس عمر البشير وجماعة عسكريّة ومدنيّة من حاشيته، وبعد أن استطاعت الثورة إسقاط البشير ومحاكمته في عام 2019، قام المجلس العسكريّ الانتقاليّ بتعيين قائد عسكريّ آخر وهو وزير الدفاع أحمد عوض بن عوف.

ثورة السودان

ثمّ ثار الشعب السودانيّ مرّة أخرى فتخلّى أحمد عوض عن منصبه هذا بشرط اختياره لمن هو أهل له، فاختار عبد الفتّاح البرهان عسكريّ سودانيّ ، فعاود الشعب السودانيّ عصيانه ليتمّ الردّ عليه بمجزرة عُرفت باسم مجزرة الخرطوم التي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى. (18)

صورة من مجزرة الخرطوم

ولكلا الرئيسين المخلوعين، البشير ومبارك، أموالاً مهرّبة للخارج وتمّ الكشف عنها، وكانت استعادت السودان منذ أيّام ما يقارب 1،2 مليار دولار من رجل بارز في نظام البشير(19)، وثمّة ملف ضخم لا يزال قيد التحقيق فيما يتعلّق بأموال مصر المنهوبة.(20)

وتبدو الرسالة، مجهولة المُرسل، واضحة المقصد اتجاه الشعوب العربيّة؛ فمن كان يحكمه العسكر سيبقى العسكر حاكمه بالرغم من الدماء المقدّمة لأجل الخلاص، ومن كان يحكمه منطق العشيرة والقبيلة سيبقى كذلك إلى أبد الآبدين. وفي كلتا الحالتين سينهب هؤلاء القادة والملوك خيرات أراضيكم مقابل تنفيذ أجندات خارجيّة تملى عليهم دونما نقاش أو تقصير.

وفي هذا الواقع الخياليّ تكمن أهمّيّة الفرعي ومشروعه الفنّي الذي لا يبرح يخاطب أفئدة الشباب وعقولهم ساحباً البساط من تحت أقدام هؤلاء القادة الخشبيين ومعيداً للعرب بوصلتهم التي ضاعت في بحر الظلمات.

  • هناك جدل في الأوساط العلمية الإنسانية العربية حول تعريف هذا المفهوم (الاستغراب) فمنهم من يريده علماً يقوم بدراسة المعرفة الغربيّة ونقدها، ومنهم من يسمّيه ظاهرةً نفسيّة اجتماعيّة تدلّل على ميول الفرد فكريّاً وثقافيّاً ناحية الغرب، وإنّ ما أراده الفرعي هو المعنى الثاني لا الأوّل.

المصادر والمراجع

(1): أرشيف نشرة فلسطين اليوم، مركز الزيتون للدراسات والاستشارات، 29\5\2011، العدد 2159، صـ7
(2): وكالة الأنباء الكويتيّة (كونا)، الأوبك .. اكتشافات نفطيّة جديدة في الوطن العربي، بتاريخ 25\8\2000.
(3): الاستشراق (المفاهيم الغربيّة للشرق)، إدوارد سعيد، ترجمة: د.محمد عناني، دار رؤية للنشر والتوزيع، طبعة 1995 المزيدة، صـ44
(4): Ibid صـ 356
(5): Ibid صـ332
(6): Ibid صـ356
(7): Ibid صـ367
(8): الاستغراب في المغرب الأقصى (ظواهره وقضاياه)، د.عبد الله الشارف، دار تطوان، طبعة 2017، صـ 24
(9): https://www.raialyoum.com/index.php / شهادة-للتاريخ-العرب-تآمروا-على-العراق
(10): الجامعة العربية والعمل العربي المشترك (1945 _ 2000)، الطاهر بن عريفه، دار زهران، طبعة 2011، صـ 175
(11): Ibid
(12): Ibid
(13): https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews /2018/11/10/كل-ما-يجب-أن-تعرفه-عن-الأزمة-الليبية
(14): https://www.alhurra.com/episode/2020/01/01/الانقسام-اليمني
(15): https://www.rand.org/ar/publications/isis.html
(16): http://www.fao.org/emergencies/crisis/syria/en/
(17): https://www.youtube.com/watch?v=2kodsZHn9Lg
(18): https://www.bbc.com/news/world-africa-48512413
(29): https://www.aa.com.tr/ar/اقتصاد/السودان-يسترد-12-مليار-دولار-من-أمواله-المنهوبة
(20): https://www.youtube.com/watch?v=sA0mOBVvoG8

المواد الواردة في قراءات نقدية لا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق