قلم توك

من غيفارا إلى قيصر..

في مقاربة شاعرية يمكن رواية قصة قانون قيصر هكذا: بعد ظهور الصور المريعة التي سرّبها الضابط المنشق “قيصر” إلى العلن وما فيها من تعذيب وقتل وامتهان للكرامة الإنسانية، وبعد مناشدات ومساعي حثيثة من سوريين أميركيين، تنادى نواب الحزب الجمهوري الأميركي الذين أصابت الصور ضمائرهم في الصميم، فأصدروا مسودة قانون صادق عليه الديموقراطيون ووقّعه أخيراً الرئيس ترامب للدفاع عن الشعب السوري المعذب والحد من ممارسات نظامه عليه.

أما في مقاربة أكثر واقعية، فيمكن الافتراض أن الأمور لا تجري هكذا في بلاد العم سام، وأن قانون العقوبات “قيصر” يأتي ضمن سياسة أميركية معروفة تُفرض بموجبها حصارات اقتصادية خانقة على “الدول المارقة” بدءًا بكوبا و مرورًا بالعراق حتى فنزويلا وايران التي يبدو القانون كجزء من سياسة حصار معلن ضدها، تصاعد منذ وصول ترامب إلى السلطة.

استطراداً، يمكن المغامرة بالفرضية التالية: بينما كان استراتيجيوا الحزب الجمهوري و مهندسوا سياسات البيت الأبيض بصدد صياغة قانون ضد النظام السوري (ليس الأول ولا الوحيد) أتت صور أجساد المعتقلين السوريين الذين قضوا تحت التعذيب في السجون السورية التي تحمل دون شك شحنة رمزية هائلة تجعل من أي صمت أو لامبالاة إزاءها رعونةً لا تُحتمل.

وفي حين كان أصحاب الضمائر من كل مكان يعبرون عن إدانتهم للحدث، كانت عقول الجمهوريين الأميركيين تعمل بطريقة أخرى: تمرير القانون سيكون أسهل إذا ما اتكأ على قضية يجمع العالم على إدانتها، وهي فرصة لا تعوض؛ فالحدث رافعة أخلاقية هائلة، والربط بين الحدثين يجعل ثانويةً بنود القانون المُفترضْ.

المعادلة سهلة وذكية: فإن كنت ضد القتل والتعذيب الذي عبَّرت عنه بوضوح صور قيصر فأنت حتماً مع القانون الذي يحمل اسمه.

وبالمقابل، أن تكون ضده يعني أنك تدافع عن القاتل ضد ضحيته. وهكذا تمّت مصادرة الموقف الأخلاقي سلفًا لحساب موقفٍ وتصورٍ سياسين، وبات التجرؤ على قانون قيصر تجرؤاً على ضحايا القمع والتعذيب والسجون في أحط صورها.

حسناً، نجح الأمر بعد خمس سنوات، وللمرء أن يتساءل عن طول المدة التي استغرقها إصداره وعلاقتها بما يجري على الأرض خاصة في مناطق النفط السوري الخاضعة للاحتلال الأميركي، و دخول القانون حيز التنفيذ دون اعتراضات تُذكر.

بات علينا أن ننسى أشياءً حدثت في الماضي القريب، وأخرى تحدث أمام أعيننا: الحزب الجمهوري الأميركي هو نفسه بطل حربي العراق الكارثيّتين، وهو أحد مهندسي قانون “النفط مقابل الغذاء” الأممي وما تسبب به من ويلات للشعب العراقي، وهي ويلات لم تُسقط نظام البعث الحاكم في العراق.

ثمّ علينا أن لا ننسى أيضاً بأن قانون قيصر أصدرته نفس الإدارة الأميركية التي شرعنت ( اليوم لا في غابر الأزمان) احتلال الجولان و نقلت السفارة الأميركية إلى القدس معترفة بها عاصمة لإسرائيل التي تضم الأراضي الفلسطينية بمباركة صقور الحزب الجمهوري والرئيس ترامب . وهي نفس الإدارة التي كتبت بنود صفقة القرن، تطبقها دون ضوابط ولا معايير ودون أية مرجعية دولية.

لا مزاودات في هذه السطور على فلسطين وبإسمها لكن كيف نصدق أن هذه الإدارة وهذا الحزب يهتمّان بالشعب السوري ومصيره؟

وماذا عن القانون ذاته؟ ماذا عن بنوده التي تكرّس تقسيم الشمال السوري وتدعو في البند الأول إلى السلام مع الدول المجاورة ( احزروا أيّا منها وبأي ثمن بعد الاعتراف الأميركي بضم الجولان؟ ). ماذا عن استثناء تركيا وهي تحتل، أسوة بروسيا وإيران، جزءًا من الأرض السورية باتت ترفع علمها وتتعامل تلك الجغرافيا المُحتلّة بعملتها؟ وماذا عن السوري الذي سيعيش حصاراً مضاعفا؟ و ماذا عن الإفقار الذي سيضاف إلى الفقر الحاصل؟ و ماذا عن أولئك، من أهل السلطة القائمة، الذين يملكون مفاتيح التهريب والتلاعب مما يؤهلهم للالتفاف على العقوبات لمزيد من الاحتكار والضغط على الناس التي لم تعد تملك إلا خيباتها وبؤسها؟

قد يكون الربط بين صور “قيصر” والقانون الذي يحمل اسمه هو أسوأ ما يمكن أن يحصل لضحايا القمع على تنوعهم. فهو يجعلهم عرضةً لمقايضةٍ ذات طابع سياسي تقوده إدارة ترامب التي لم يُعرف عنها أية أخلاقية في تعاملها مع قضايا العالم. وهو سيجعل لمأساتهم ثمنًا تدفعه الأرض السورية من إنسانها و من جغرافيتها . فمن قضى تحت التعذيب أو جوعًا أو مرضًا في سجون النظام السوري يجب أن يُستعاد حقه في العدالة، أي أن يُكشف الغطاء كاملًا عما يجري في المعتقلات ومحاكمة كل من تسبب بذلك.

هذه قضية مبدئية لا سياسية. أما أن يُستخدم رمز قيصر لسن قانون هو في الأصل سياسي، ففي ذلك إجحاف إضافي بحق ضحايا الذين كشف عنهم #قيصر” قبل غيرهم، فلا مساومة في العدالة ولا عليها، هكذا يُفترضًْ! ذلك يعني أن الفصل بين الضحايا الموثقين من قبل المصور المنشق “قيصر” وقانون “قيصر” هو أول ما يجب القيام به لمن لا يريد الوقوع في فخ الابتزاز باسم الضحايا. لا بأس بعدها أن يعارض القانون من يشاء وأن يناصره من يشاء بإسم السياسة لا الأخلاق.

سيضاعف القانون من بؤس الناس ومن الانقسامات السورية السورية. من يتابع التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي يلاحظ بسهولة استعادة أجواء ما قبل الضربة الأميركية التي هدّدَ بها أوباما آنذاك ولم ينفذها. تحمّس سوريون لها وعارضها آخرون، ثم ذهب أوباما في اتجاه آخر أملته عليه أولوياته الأميركية.

لا يبدو أن كل هذا يشغل بال مناصري القانون والذين عملوا على إخراجه، أغلبهم لا يعيش آثاره ولا يعاني من الأزمات المرهقة التي وإن بدأت قبله، ستتضاعف حتمًا مع تطبيق بنوده.

كان كبير الثوار وملهمهم، إرنستو تشي غيفارا، يعتبر أن الثورة لا تكمن في الانتصار والهزيمة، فهي قبل كل شيء تقتضي أن يقبل الثائر تقاسم شروط وظروف حياة أولئك الذين يثور من أجلهم. ترك مكانه الدافئ في هافانا وذهب إلى غابات بوليفيا ليقضي بين أولئك الذين اعتقد وآمن أنه يناضل من أجل قضيتهم. ليس في قانون “قيصر” و بين من ساهم على إعداده شيء من ذلك ولا من ثورة الحرية والشعب الواحد.

هم من عالمٍ آخر ومن مكانٍ آخر. غيفارا السوري يعيش داخل الحصار، يقضي نحبه في السجون، يقف ساعات متحديًا الأوبئة من أجل ربطة خبز، يمضي على دروب الهجرة، يغرق في البحر، يمارس بطولة حياته المرهقة بصمت وقرف. وهو يستأهل حتمًا أفضل من قانون يستغل بانتهازية صور سوريين قضوا تحت العسف ليحاصر سوريين آخرين ينوؤون تحت قهرٍ شديد متعدد المصادر والأسباب.

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق