قلم توك

شعب الله المكتئب

استوقفني منشور طويل على موقع الفيسبوك لزميلة صحفية تناولت من خلاله ظاهرة الاكتئاب وانتشارها بسبب المصاب السوري، ولاسيما بعد أن حط “قيصر” رحاله الثقيلة على وجع البلاد. توقفت عن القراءة عند المنتصف، فقد وعدت نفسي بأن أهرب من الباب الخلفي حين يدخل هذا العدو من باب الفقدان.

نعم الاكتئاب حليف الفقدان بلغة مشاعرنا البسيطة، في حين يحلّله أصحاب الاختصاص بأكاديميةٍ لا نتقن مفرداتها ولا تفيد في وطن مافياوي أرهبنا عرّابوه، فنعقد بالإكراه صفقةً مع الفقدان، فيهاجمنا الاكتئاب كذئب أحمر جائع فتك بحنجرة المطالب، فصمتنا ووقفنا بذهول أطفال ضائعين في منتصف أسواق مدن غريبة؛ مدن كانت مسكن أفراحنا لكن الخوف غيّر ملامحها وباتت بقعًا جغرافيةً باهتةً كُتب على مداخلها نرحب بكم في مدن الفقدان، وشعبها الذي هتف يومًا للقائد الفذ بانتصاره التشريني المزعوم على شعب الله المختار بات منذ زمن بعيد شعب الله المكتئب.

نحن شعب الله المكتئب، كان يطمح إلى الحرية والكرامة، أمّا اليوم فنتوسل الرحمة في قرارات المصرف المركزي لحماية الليرة عزنا، وخطابات الحفاظ على (الفسيفساء الوطنية).

سيعني اعتراضنا بطرح وجهات نظر مختلفة أو المطالبة بحقوق مستباحة بأن اكتئابنا سيكون أضعافاً مضاعفة في سراديب الجحيم؛ فالداخل إليها مفقود والخارج مصاب بالفقدان، فقدان الشعور بالمكان والزمان والهوية والانتماء لمدن يسميها الإعلام الرسمي عروس المتوسط وحمص العدية والشهباء والفيحاء وغيرها من المدن التي يقبع بها ستة عشر مركزاً متخصصًا بإدخالك في حالة الصدمة والغياب لتعترف بأنك أوهنت روح الأمة فتصمت داخل جدرانها كل نظريات علماء طب النفس عبر التاريخ.

سيقنصك في تلك المراكز صوت الجلّاد، يحقنك بعوارض الاكتئاب في أوردتك المرتعشة ويبتزّك بأنّه سيحقنك مجددًا إذا لم تعترف بأنك فتحت المجال الجوي أمام طائرات العدو الغاشم وخططت مع جهات خارجية لتفجير قاسيون الصمود، الراصد لعاصمة يقطنها ملايين المكتئبين وعشرات أمراء الحرب يبسّطون لتوزيع شهادات الوطنية تحت جسر “الرئيس” الحامي الأول في البلاد لكل أنواع الفقدان.

نحن شعب الله المكتئب نخرج صباحًا من منازلنا بنظريات فلسفية أسّسنا لها طوال أرق الليل، فنخرج باستنتاجات جديدة حول كمية الفقدان التي نملك، مساحاتٌ صامتةٌ من اللاشيء يكسر الريتم أغنية تمجّد راعي الفقدان الأول في ميكروباص توقفت به تلك العادات السورية بالدفع عن الأخر؛ فمغامرة صغيرة بالجدوى الاقتصادية ستترك أثار تدميرية وستزيد الفقدان حرمانًا آخر.

نحن شعب الله المكتئب الذي سكن المخيمات واحتل إحصائيا المركز الأول لبطولة التخاذل الدولي بالهجرة واللجوء. نتعلم اللغات العالمية ندرس في الجامعات نعمل في مؤسسات كبيرة نخرج في نهاية الدوام الرسمي لنرتشف على ناصية شارع يعج بالحياة فنجان قهوة بنّه فقدانٌ ومرّه اكتئاب، ثم نعدّل وضعية أقنعتنا على وجوهنا ونمضي حيث الوحدة مقتل أيامنا الباردة حتى في صيف تلك البلاد.

نحن شعب الله المكتئب نواسي بعضنا البعض داخل البلاد وخارجها بحجم فقدان كل منا، نتّكئ على حرمان الآخر ونخجل من خسائر بعضنا ونرش على الجرح ملح الصمت فنعيش عوالم “توحّد مستجد” أورثتنا إياهم المقتلة السورية كمرض جديد براءة اكتشافه لشعب بأكمله.

نعيش بأنصاف الأحلام داخل البلاد، وأنصاف القلوب خارج البلاد، نعيش جميعنا بنصف حزن، فالحزن الكامل محرّم علينا ما دمنا نقاوم غدر سارقي واقعنا ومآلاتنا. نحن فقط من نملك قلوبًا من فولاذ ومشاعر من فضة لن يشوه جمالها صدأ الديكتاتورية.

نعم نحن شعب الله المكتئب مكسور القلب والخاطر. نعيش في منتصف الحلول مرغمين على ذلك؛ فنحن خونة حين لا نتحالف مع سارقينا ضد المؤامرة الكونية على بلد الصمود والتصدي، ونحن الوقود ليقتل أبناءنا ويهنئ أبناءهم بحياة رغيدة. على كل الأطراف يجب أن نعلنها ألا نكون وقود القتلة بأي ضفة كانوا نحن وقود لسوريا فقط.

هذا البلد الذي يجب أن ينهض لننهض ويحيا لنحيا ويفرح لنفرح. حتى ذلك الحين نحن شعب الله المكتئب الذي اختار المقاومة حتى الرمق الأخير كي يشفى من لعنة الكرسي وغيرها من لعنات حرقت أنفاسنا والبلاد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق