السلايد الرئيسيحصاد اليومقراءات نقدية

ثورة الزمن في Synecdoche, New York .. كيف تشكّل الوحدة الذات في الحياة اليومية؟

أمجد أشتي

يعتبر الزمن في النقد السينمائي كالعامود الفقري في جسم الإنسان، يحمله ويقوّيه ويرفعه عن الأرض أو يسوّيه معها كحال الزواحف. فالزمن ليس مجرّد مقولة مجرّدة وثانوية تحتكم إلى قواعد صلبة تستعمل لتمرير الأحداث عبر ساعتين أو ثلاث من زمن العرض؛ وإنّما مقولة تشارك في صنع الدلالة وتحمل العمل للنهوض أو ترميه في سلّة المهملات الفيلمية.

وما حثّني للاشتغال على هذا الفيلم كانت مقولة الزمن، فتشارلي كوفمان ( 1958 _ إلى الآن)، كاتب العمل ومخرجه، هندس فيلمه الأوّل (Synecdoche, New York) ليكون ثورة حقيقية على صعيد البناء الزمني، وفي الوقت الذي يرى العديد من النقّاد أنّ الزمن هو عامل ثانوي وخادم لطبيعة الشخصية السيكولوجية، نرى نحن أنّ هذه الشخصية وتصميمها بالمجمل هو مبرّر لهذه الثورة لا أكثر ولا أقلّ.

وتنطلق هذه القراءة من الحقيقة سابقة الذكر لتحليل كلّ من البنية الزمنية للفيلم، إضافة للبعد النفسي لشخوصه، والبعد الفلسفي لسيناريو أحداثه والثيمة المسيطرة على الفعل الدرامي فيه.

ثورة الزمن في Synecdoche, New York

“بهذا الطقس الجميل المعتدل تقريباً، الثاني والعشرون من سبتمبر في سكنكتدي، وهو اليوم الأوّل من الخريف، لذا تكريماً لتلك الحقيقة معنا “إليك بوتزاكمير” أستاذة الأدب في كلية الاتحاد للحديث عن الخريف في الشعر والأدب..”

على هذه الكلمات فتح المخرج المسرحي “كايدن كوتار” عينيه وهو ما يزال في فراشه، وفي تمام الساعة 7:45 صباحاً هبط على السلالم إلى الطابق الأرضي حيث ألقى تحية الصباح على زوجته أديل المنشغلة بابنتهما “أوليف” وحديثها على الهاتف، أخبرها أنه ليس على ما يرام؛ فلم تكترث أديل لما قاله.

جلس كايدن لبرهة، ثم خرج وحيداً ليتحقّق من صندوق بريده تاركاً زوجته تتحدّث على الهاتف، وسرعان ما عاد إلى منزله لقراءة إحدى الصحف اليومية الواردة في البريد؛ إلا أنّ جريدته كانت مؤرّخة بتاريخ الرابع عشر من أكتوبر 2005، وليس في سبتمبر كما ذيع بالراديو بداية الفيلم.

كايدن وهيزل في المسرح يتخيّرون الممثّلين

تبادل كايدن وأديل بعض الكلمات عن موت هارولد بينتر فأضاف كايدن مصحّحاً أنّه ربح جائزة نوبل ولم يمت، لكن لم يبدُ على أديل أنّها تبالي بما يقول، وعند تفقّده لعلبة الحليب وجدها منتهية الصلاحية في الثلاجة ومدوّن عليها تاريخ العشرين من أكتوبر، لكن ما يثير الدهشة هو مرور بضعة أيّام في اللحظات التي فصلت بين تفقّده الثلاجة ومعاودته للقراءة؛ فخبر موت أوّل خريج أسود البشرة من جامعة ألباما مؤرّخ بتاريخ الثاني من نوفمبر 2005.

إذاً أراد تشارلي كوفمان، مخرج الفيلم، أن ينذر المُشاهد منذ البداية أنّ الزمن الخيالي/السردي* زمناً إشكالياً لا يسير في خطّيتهِ ليتطابق وزمن الشاشة/العرض**، وإنّما يخضع للتكسّر والقفز حتّى ولو بقيت الجلسات والملابس والأحداث هي نفسها، والشخوص تسير في زمنٍ يبدو أنّه متصل: ( ملابس الشخوص التي لم تتبدّل، وضعيات جلوسهم، الفتاة ما تزال على المرحاض).

كما ساهمت المعيّنات الزمنية في (الصحيفة، الراديو، علبة الحليب الفاسدة) المتلقّي في تأويله للمضمون واستخلاصه للدلالات؛ فالتكسير في الزمن واحدة من التقنيات الفنّية التي تعبّر أصدق تعبير عن اضطراب حال الشخوص وتوهانهم في فضاء ثقيل لا يتغيّر أو يتبدّل بتبدل زمن وحلول آخر.

تجعل هذه التقنية من زمن الشاشة/ المعروض ((حاضراً)) لا يحيل على ماضٍ قريب أو بعيد، ولا يلجأ إلى الاستذكارات/Flashback، بل يستعيض عنها بإشارات عابرة إلى أيّ زمن كانت ومازالت تعيشه الشخوص؛ ففي فيلمنا يلجأ المخرج إلى تكسير الزمن أربع مرّات متتابعة، في الوقت الذي لا نلاحظ فيه، كمشاهدين، اختلافاً في سير حيوات الشخوص أو في مكوّنات فضاءها حيّز التفاعل.

وتلعب هذه التقنية دورها في تدمير الزمن الخيالي/ السردي للراهن (الحاضر في القصّة) في إشارة منها إلى التكراري المتشابه والرتيب لحياة الشخوص الروتينية، وتشقّ الطريق أمام الزمنين (الشاشة والخيالي) فيتفلتا من كلّ القيود المعوّقة لانعتاقهما في سرعة أو بطئ مرتجيين.

فلماذا اختار المخرج تشارلي كوفمان هذا الأسلوب للتعامل مع الزمن ولم يذهب إلى الأساليب المعروفة والمعتمدة من التقليدية وإلى كذا الحديثة؟

يستند تشارلي كوفمان في عرضه إلى ملامح واقعية بهدف بناء شخصية أسطورية، فيهشّم معالم الزمن على مدار عرض الفيلم؛ إن كان في مشهد الفطور، أو عندما يُصدم بواقع غياب زوجته لمدّة تتجاوز السنتين، أو في مسرحيته التي قضت عقدين ونيف في مرحلة الإعداد ولم تبصر النور قط.

يحوّل كوفمان الأيّام والأشهر والسنوات وحتّى العقود إلى دقائق مرنة من وقت الشاشة، بهدف تشويش الفواصل التي تتأرجح أمامنا في لمح البصر؛ يصيرون الأطفال إلى سنّ المراهقة في غضون دقائق، وتمرّ حيوات كاملة في خلفية مشاهد مختلفة، وبحلول اللحظات الأخيرة المذهلة للفيلم يصير كايدن جزء من مسرحية حياته الشخصية التي وصمتها الوحدة، فيدرك الحقيقة المُرّة للحياة دون إدراكه للفنّ المتمثّل بالعرض المسرحي.

ومع اقترابنا من نهاية العرض يلجأ كوفمان إلى إبطاء الزمن ومدّه، بينما يتفحّص كايدن أطلال إبداعه، يمدّه دون قفزات زمنية ليوازي ويتطابق الزمن الخيالي مع زمن العرض تاركاً إيانا مع الشخصية الذاهبة إلى مصيرها، لنُصْدَمَ كمشاهدين بكلّ ذلك الوقت الذي مرّ على إطلاق كايدين لعمله المسرحي؛ متصارحين مع حقيقة أنّ الزمن انسلّ من بين أصابعنا دون أن نلاحظ، وأنّ الحياة محض ترقّب وتحسّب للزمن الذي يبدأ سريعاً خارق السرعة مع الشباب وينتهي إلى بطئه وبلادتهِ مع اقتراب الأجل.

فالأيّام التي مرّت في الافتتاحية ودُمجت مع بعضها البعض راسمةً مشهداً من يومٍ واحد، تدفعنا لنفّكر بقيمة كلّ لحظة نقضيها عالقين بالروتين اليومي لحياة لا نحبها ولا نريدها.

وبهذا التحليل ندرك لما لم يتقيّد كوفمان بالقواعد العامّة لصناعة الأفلام، مدركين بأنّ الزمن هنا ليس الوقت الذي يستغرقه الفعل الدرامي، إنّما وحدة قائمة بذاتها تدفع الفعل الدرامي و تؤثّر في صيرورته، وتخدم واحدة من الموضوعات المتعدّدة في الفيلم كالدلالة النصية مثلاً أو دلالة الشخوص.

الخيال والموت والحقيقة في متلازمة كوتار .. الحياة الموازية لبطل Synecdoche, New York

طوى كايدين الجريدة التي قرأ منها خبر موت أوّل خريج أسود البشرة من جامعة ألباما واندفع باتجاه الحمام. رغى صابون الحلاقة وأخذ يقشّ الذقن الخفيفة؛ وفي صدفة عجيبة، انفجر صنبور المياه ناسفاً جبهة كايدين فدمّاه حتّى أخمص قدميه.

في المشفى، بعد أن قطّب الطبيب جبهة كايدين، نصحه بزيارة طبيب عيون، فردّ كايدين: ” طبيب أعصاب؟”، نفى الطبيب وكرّر قوله: “لا طبيب عيون ..طبيب عيون”. كانت هي أولى تداعيات حادثة الصنبور على سلامة كايدين العقلية والجسدية.

ومع تعاقب الأحداث ومرور السنين يُصاب كايدين بعديد الأمراض؛ كنوبات الصرع المرافقة لتشنجات عضلية، مشاكل في الأعصاب تمنعه من بلع الطعام والبكاء، اعتلالات هضمية وحركية.
ولكن لم تكن ضربة الرأس (الجسمانية) هي السبب الوحيد في كلّ تلك العلّات؛ ولكن أيضاً هجران أديل بصطحبة أوليف (ابنتهما) للمنزل إلى ألمانيا سعياً خلف المجد والشهرة الفنّيين، ما دفع كايدين ليعيش إرهاصات نفسية عميقة كانت أسهمت في اعتلاله.

تمرّ سنة فيخالها كايدن أسبوعين، يتناسى الوقت وكأنّما هو حيّ في حياة موازية يختلف زمنها عن زمن البشر المحيطين به، يكرّر تناسيه فيخطئ الأعوام والأيّام والساعات. يذهب بشكل قهري كلّ يوم إلى منزل أديل المتخيّل فينظّفه ويبدّل الشراشف المتسخة بالسوائل الحميمية لأديل وعشيقها الجديد في مشاهد تكرارية لا تبدّل من عناصرها سوى إضفاء الكهولة على ممثّليها. يستشرف كايدين موته بين كلّ حوار والآخر. تغتاله الوحدة فيبكي قبل ممارسة الحبّ مع النساء القائمات على مسرحيته.

كايدين بجانب أوليف على فراش موتها

وعلى الرغم من غياب التشخيص الطبي النفسي لحالة كايدين في سياق الفيلم، فإنّ كايدين أُصيب، بعد أذية مُخرِّشة لقشرة دماغه إثر حادثة الصنبور، بمتلازمة “كوتار” والتي:
“تتميّز بضَلَالات عدمية (لا شيء موجود، الجسد تفتّت، أنا ميّت، العالم مُقدم على نهايته)، أو بأفكار العظمة والخلود والعذاب الأبديّ، وتكون متلازمة كوتار عادةً جزءاً من الفصام أو من اضطراب المزاج ثنائي القطب) ولاسيّما في الطور الاكتئابي السوداوي الشديد.” (1))

تدفع هذه المتلازمة مريضها إلى فقدان الإحساس بالواقع (الزمان، المكان، أعضاء الجسد) وإلى استبداد الوهم على وعيه متخيّلاً للأحداث متفاعلاً معها، وتشكّل هذه الأعراض عالماً مشوّهاً تعكسه سلوكيات المصاب ( لحظة انفجر كايدين غضباً لأنّ أوليف لم تكن بعمر الرابعة كما تصوّر وإنما بعمر الرابعة عشر، تخيّله لمشهد والمحلّلة النفسية على متن الطائرة المتجهة إلى برلين. وفي نهاية الفيلم عندما غمر والدته المزيّفة مأخوذاً بصوت أديل المحبوس في رأسه.) كلّها أحداث متخيّلة تدور في تلك الحياة الموازية، المتخيّلة، المصطنعة، لحياة كايدين الحقيقية.

يقول كايدين لمحلّلته النفسية:
_ حصلت على منحة (مكارثر).
المحلّلة: كايدين!
_ أجل الكثير من المال.
المحلّلة: أتعلم كيف ستنفقه؟
_ عمل مسرحي، شيء ضخم وحقيقي.

لقد أعاد كايدن إنتاج الحياة في مصنع على أطراف نيويورك؛ مصنع\مسرح ضخم لإعادة إنتاج الحقيقة المتوارية، الحقيقة التي يعمل على إيجادها ما يزيد عن مئتي عامل مسرحي (ممثل، مهندس ديكور، منسّق السيناريو …). وبعد انقضاء 17 عاماً يصرخ أحد الممثلّين بكايدين قائلاً:
_لقد مرّ 17 عاماً متى سنحصل على جمهور هنا؟

فيجيبه كايدين بعد أن أقرّ بمسؤوليته عن هذا التأخير قائلاً: ” لن أقبل بأيّ شيء أقلّ من الحقيقة الوحشية .. الحقيقة الوحشية .. الحقيقة الوحشية.”

لربما دُفع كايدين إلى هذه الرغبة دفعاً متأثّر بعوارض متلازمة كوتار التي تشعر المصاب بأنّه ميّت أو يريد الموت (2) فيقول لفريقه المسرحي قبيل بدء العمل:

” سنبدأ الحديث بأمانة .. ومن بعد ذلك ستتطوّر أحداث المسرحية .. أفكّر مؤخّراً بالموت كثيراً .. سأموت وكذلك أنتِ (مشيراً إلى زوجته الثانية بعد أديل) .. وكلّ من هنا سيموت .. هذا ما أود توضيحهُ، فكلّنا نُدْفَع إلى الموت.”

فهل يمكن للوحدة أن تدفع المرء إلى موته؟ وأن تشكّل الذات في الحياة اليومية؟ وأن تترك الزمن يقضم آخر حبّات العنب من دالية العمر بينما الشباب ودوافعه كلّ ينصهر في لهيبها؟

الوحدة تشكّل الذات في الحياة اليومية

الإجابة هي: نعم، إنّها الحقيقة الوحشية (الموت والوحدة) التي سيطرت تماماً على شعور كايدين بالواقع. الواقع الذي لم يعد سوى شعور بالغ بالوحدة فيقول لفريقهِ:

“سيكون هناك من يمثّل معي لينقّب في عمق عن وحدتي البائسة.”

وفي أشدّ لحظات النشوة تأثيراً ينهر كايدين “هيزل” ويخبرها بوحدته بينما الدموع تسقط على وجهه المتورّد. وأوّل ما ندّ عن فمه، عندما لاقى آخر شخوص الفيلم (والدته في أحد الأحلام)، وفي آخر حوار له كانت جملته المنطوقة:

“أتجلسين معي للحظة؟ .. فأنا متعب ووحيد جدّاً”.

فالوحدة فراغ روحي قارص، وشوكة عالقة في مجرى التنفّس، وموت في انتظار موته. لم تكن المتلازمة سوى مكمّل لأسطورة الإنسان الوحيد في عالمه الوحشيّ الآخذ بالفناء شيئاً فشيئاً.

لم يكن كايدين وحيداً ظاهرياً عندما كانت أديل وأوليف بجانبه، لكنّه كان كذلك باطنياً؛ ففي فراشهما وقبل النوم بقليل، بمشهد قصير حاد وواضح الدلالة، يهمس كايدين لأديل:
_ هناك دمّ مصاحب لبرازي في المرحاض.
فتردّ أديل على سجيتها المستخفّة: أتقصد المرحاض الذي بجانب المكتب؟
ثمّ تُدار بكرة العرض إلى مشهد آخر بينما يظلّ شعور كايدين معلّقاً في ذلك المشهد معلوماً لنا وغير معلوم.

وفي جلستهما المشتركة مع المحلّلة النفسية، وبعد أن سألتها المحلّلة: عن الكيفية التي بدى بها كايدين أثناء فترة الحمل، تقول أديل: ” لقد بدى متفائلاً وكأنّما هو سيتغيّر .. لكنّه كان أقلّ ممّا آمل بكثير.”

وعند نهاية العرض كان وحيداً، يسير عبر مسرحه المتهدّم فيرى جثث فريقه مكوّمة فوق بعضها البعض يميناً ويساراً، يسيّره صوت راوية خارجية تقول:

” ما كان أمامك هو الإثارة والمستقبل الغامض، وصار خلفك الآن الحياة والفهم وخيبة الأمل، أنت تدرك أنّك لست مميّزاً، كافحت في الحياة وتخرج الآن منها بصمت، هذه تجربة كلّ شخص. فكلّ شخص وحيد، وبالتفصيل هو وحيد بذات الصعوبة، كلّ شخص، كلّ شخص.”

فريق كايدين المسرحي خاصّ بمشهد خطاب كايدين مع الفريق بشأن الوحدة

إنّه فيلم عن الوحدة، بوصفها حقيقة تشيّد معالم الحياة بالنسبة للإنسان، الإنسان الذي لا يدركها كحقيقة إلا مع اقتراب موته، وهنا كانت عبقرية كوفمان في اختياره لمتلازمة كوتار؛ فهذا هو الاضطراب العقلي الوحيد الذي يمكن أن يدفع الإنسان لأن يعتقد بموته وهو ما يزال على قيد الحياة، وبالتالي أن يكتشف هذه الحقيقة ويتأمّلها في بواكير حياته لتكون هي العمل الفنّي (الحقيقة) التي يسعى إلى عرضها وليست المسرحية الكبرى التي استغرق تحضيرها عقدين ونصف.

المصادر:

استند التحليل الزمني إلى المراجع التالية:
_ الخطاب السينمائي / فران فينتور/ ترجمة: علاء شنّانة/ منشورات وزارة الثقافة السورية.
_ الصورة الزمن /جيل ديلوز/ ترجمة: حسن عودة/ منشورات وزارة الثقافة السورية.

استند التحليل النفسي إلى المراجع التالية:
(1): معجم الطبّ النفسي، د. لطفي الشربيني، مركز تعريب العلوم الصحّية ومؤسّسة الكويت للتقدم العلمي، طبعة 2004.
(2): Ibid

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق