السلايد الرئيسيحصاد اليومقراءات نقدية

فلويد وسينما العنصرية .. من العبودية الفجّة إلى العبودية الطوعيّة

محمد أبو محمود

ضجّت الولايات المتحدة الأمريكية في 25 مايو/ أيار 2020 إثر وفاة المواطن الأمريكي من أصول أفريقية “جورج فلويد” على يدّ/قدم شرطي أمريكي، ويصوّر فيديو انتشر لوفاة فلويد آخر عذابات الضحية التي تنطق بصعوبة بالغة كلماتها الأخير: لا أستطيع التنفّس.

لم يكن الشعب الأمريكي ليتعامل مع هذه الحادثة بلين واستسهال؛ فخرجت انتفاضة ضخمة في العديد من الولايات مندّدة بالعنصرية والعنف التي أبداها جهاز شرطة مدينة مينابولس ورافعة شعار “حياة السود مهمّة”.

أعاد هذا المشهد في أذهان البشر تاريخاً قاتماً كانت فيه العنصرية سبباً بموت ملايين الأشخاص حول العالم، ليصبح فلويد بعد هذه الحادثة رمزاً حقيقاً من رموز مناهضة العنصرية في عالم لا يتكلم إلا بلغة القوّة والعنف.

وتأتي هذه القراءة لإضاءة العديد من المسائل التي لربّما تفسّر هذا الغضب الأمريكي وتضعه في سياقه التاريخي، فالسينما الأمريكية قدّمت العديد من الأعمال التي استطاعت تصوير تاريخ الرقّ والعبودية وما خلّفه من آلام وذكريات شنيعة وقادرة إذا ما تمّ استرجعها، كما حصل من خلال حادثة فلويد، بأن تشعل شوارع الولايات المتحدّة الأمريكية.

تاريخ ارتباط العبودية باللون! ..

يعدّ فيلم (12 years a slave) أو (اثنا عشر عاماً من العبودية) أحد أهمّ الأعمال السينمائية التي تناولت موضوع العبودية؛ حيث تمكّن مخرجه “ستيف ماكوين” من جعله علامة فارقة نسبة إلى غيره من الأعمال التي تتناول الموضوعة نفسها، لينال الفيلم فيما بعد ثلاث جوائز أوسكار.

إن الفيلم مبنيّ على سيرة ذاتية لـ “سولمان نورثوب” وهو رجل أمريكي ذو أصول إفريقية عمل عازفاً للكمان وعاش حياة هانئة في ولاية نيويورك مع زوجته وولديه.

بدأت الأحداث بدعوة رجلين غريبين لنورثوب إلى رحلة عمل في واشنطن، إلا أنّه سرعان ما تبيّنت حقيقة الدعوة عندما استيقظ نورثوب مقيّداً بالأصفاد من أطرافه الأربعة، ومحتجزاً في جحر مظلم بانتظار سفينة تبحر به إلى أرض يباع بها الرقّ والعبيد.

حاول نورثوب إخبار الخاطف بأنّه “إنسان حرّ” وأنّ خطأ ما قد حصل؛ إلا أن الخاطف ردّ عليه بضحكات هازئة ومجداف خشبي حطّم جسده، واتبعه بحزام جلدي أدمى ظهره وأرداه طريحاً لا يقوى على الحراك.

أخبره صديق فيما بعد أنّه وإن ودّ البقاء حيّا؛ فعليه أن يتكيّف مع كونه عبداً وليس رجلاً حرّاً، كان ذلك أثناء شحنهما و(زنوج) آخرين في الباخرة إلى سوق النخاسة في “نيو أورليانز“.

أعطى النخّاس اسماً جديداً لنورثوب وهو “بلات“، ثم باعه وامرأة تدعى إليزا في سوق الرقيق للسيّد “وليام فورد“، رافضاً توسّلات إليزا بمنحها أبناءها أو بيع ابنتها معها.

تعود بنا هذه الحكايات إلى أزمنة غابرة من تاريخنا الإنساني؛ فمتى وكيف بدأ الإنسان باستعباد أخيه الإنسان؟

إن تاريخ العبودية قديم جدّاً، ولا تكاد أي حضارة إنسانية تخلو منه، لكن يمكننا القول بأنّ بداية العبودية ارتبطت مع بداية الحياة المدنية؛ فقد أصبح هناك فائض من الغذاء في الأرياف، وأتيحت مجموعة واسعة من الحرف والأعمال في المدن، وأخذ أرباب العمل يستأجرون عمالة رخيصة لا تحتاج سوى للحدّ الأدنى من الغذاء وسكناً مجحفاً في أماكن العمل.

في عام 1632 رسم الفنان الهولندي كريستيان فان كوينبيرج لوحته المعروفة باسم «ثلاث رجال وامرأة سوداء» أو «اغتصاب امرأة سوداء»

كانت الحروب البربرية والوحشية التي عرفها التاريخ الإنساني في حضاراته المبكرة مصدراً للإمداد بالعبيد؛ أي أن جنود الطرف المغلوب وأهله يتحوّلون تلقائياً إلى عبيدا، وقد ورد أن “تحتمس الثالث” (سادس فراعنة الأسرة الثامنة عشر) عاد من حملة في كنعان مع ما يقارب 90 ألف سجيناً، وبالنظر إلى صغر حجم جيشه الذي لا يتجاوز الآلاف؛ يعتقد الباحثون أنّ معظم هؤلاء السجناء كانوا من المدنيين، وحملهم إلى دياره تجسيداً للقاعدة العامّة في مصر الفرعونية التي نصّت آنذاك على أنّ: “جميع الأسرى هم مورد ملكي”. (1)

ولا تختلف الحضارات الأخرى (بلاد ما بين النهرين- أثينا) عن حضارة مصر القديمة؛ فالعبد دائماً ذو عرق أو دين أو جنسية مختلفة عن المحلّيين، وفسّر المؤرخ موسى فينلي ذلك بقوله: “لا يمكن لأيّ مجتمع أن يتحمّل التوتّر المتأصّل في استعباد أعضائه” (2)

عرفت الفترات المبكرة من التاريخ الميلادي مفهوم العبودية، إلا أنّه في القرون الوسطى ومع انتشار الطاعون بلغت تجارة الرقيق والعبيد أوجها، حيث فتح البرتغاليون وتلاهم الإسبانيين تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وما ميّز هذه التجارة أنّ جميع عبيدها كانوا من أصول أفريقية أو من ذوي البشرة السوداء.

وبعد اكتشاف كريستوفر كولومبوس لمنطقة البحر الكاريبي، زاد تدفق الدول الاستعمارية إلى الأمريكيتين لنهبهما، وبعد أن قتلت هذه الدول الهنود الحمر احتاجت لعمالةٍ جديدة لإنتاج السكر والقطن والتبغ، وبحلول عام 1600 كان قد تم استيراد 900 ألف رِقٍّ من الدول الأفريقية تزامناً مع توافد المستعمرين الأوروبيين إلى غرب أفريقيا لتجارة الخمور والتبغ والرقيق.(3)

ومع حلول القرن الثامن عشر سيطرت السفن البريطانية على هذه التجارة وأُطلِق عليها اسم “التجارة الثلاثية”، تنطلق السفن البريطانية محملة بالبضائع إلى إفريقيا، ثم تشتري الرق من تجارهم حول خليج غينيا، وتشحنهم إلى أمريكا.(4)

وقد كانت تتم تعبئة العبيد بوضعيات لا إنسانية؛ بحيث يحشرون تحت الطوابق مكبّلين حتّى الوصول إلى جزر الهند الغربية: أسواق العبيد الرئيسية على الجانب الأمريكي، هناك تفرغ السفن البريطانية حمولتها من الرقّ وتشتري دبس السكّر المستخرج من قصب السكر، وتعود إلى إنجلترا. (5)

وفي أمريكا يشتري أصحاب مزارع القطن وقصب السكّر والتبغ العبيد الذين يجلبون لهم أرباحاً هائلة؛ خصوصاً في جنوب الولايات المتحدة فاقتصادها كان قائماً على ذلك، وكان ما يقارب 40% من سكان الجنوب من العبيد، ووصلت نسبة العبيد إلى 64% في كارولينا الجنوبية في عام 1720.(6)

ولم تنتهِ العبودية رسمياً إلا في عام 1865 بعد انتهاء الحرب الاهلية الأمريكية التي كانت من أهم أسبابها الرقّ والعبودية.

اركض أيّها الزنجي ..

في مزرعة ويليام فورد، الرجل الذي ابتاع سولمان نورثوب، وقف جون تيبنز رئيس الحطّابين معرّفاً عن نفسه وعن المراقب، منوّهاً بأنّه على العبيد الجدد مناداتهم بصفة “السيّد” ثمّ تابع قائلاً:

“صفقوا بأيديكم”

وأخذ يُنشد: “أركض يا زنجي أركض، فالزنجيّ الذي هرول سقط ممزّقاً قميصه.
أركض لأنّ دورياتنا ستجدك. أركض يا زنجي ومن الأفضل أن تهرب.”

على وقع هذه الكلمات انتقل عبيد السيّد “فورد” إلى أعمالهم، حطّبوا الأشجار، وشذبوا القصب، وقطعوا الحطب. وفي خلفية المشهد تتابعت كلمات الأغنية:

“الزنجيّ الهارب ركض بسرعة فسقط وحشر رأسه بعشّ دبابير. أركض لأن دورياتنا ستجدك. أركض يا زنجي ومن الأفضل أن تهرب.

يقولون إن الزنجي لا يسرق، كيف إذاً وجدت ثلاثة زنوج في حقل الذرة أولهم يحمل مكيال والأخر مغرفة أما الثالث فحول رقبته حبل غليظ.
اركض لأن دورياتنا ستجدك. أركض يا زنجي ومن الأفضل أن تهرب.”

وعلى إيقاع التصفيق صرخ الرئيس: ” أيها الشرطي أرجوك ألّا تمسك بيّ، أمسك بالزنجي المختبئ خلف الشجرة.”

ولكن كيف للعبيد (الزنوج في الفيلم) التصفيق والمواظبة على العمل دون أن يأتي أحد منهم ردّاً على إهانة وتبخيس رئيس الحطّابين لهم؟

إن رئيس الجلادين هو الطاغية المعتوه الذي تحدّث عنه ميشيل فوكو بإسهاب في كتابه التهذيب والطاعة؛ فهو يقهر العبيد ويضطهدهم مستخدماً السلاسل الحديدية، يخوّفهم ويزعزع ثقتهم بأنفسهم حتّى تصير نفوسهم أشبه بمفاتيح في جعبته، فلا يلبث أن يدوّرها في الأبواب حتّى تُفتحَ له.

وتصّور لنا هذه المشاهد الكيفية التي تحوّلت بها الطاعة من سلوك تجريبيّ ومفيد إلى فعل ساهم في نزع الإنسان عن إنسانيته؛ فمن خلال فرض العقوبات والتدريبات أسهم الإنسان في تطوير العمل وزيادة الإنتاج؛ إلا أنّ هذه العقوبات روّضت الإنسان عبر ما تحمّله من قوّة قامعة جعلت منه فرداً مذعناً وخاضعاً بما يتنافى وطبيعته الإنسانية، وقد تم من خلال قواعد وركائز أهمّها إرهاب وإيلام الفرد المتمرّد. (7)

ومن خلال هذه التقنيات أمّن السادة طاعة العبيد؛ فالطاعة مرتبطة بخوف العبد وحاجته، ومستدامة باستدامتهما، وما دام العبد خائفاً من سيّده، ومهدّداً بلقمته أو مسكنه سيبقى مواظباً على تقديم الطاعة والولاء.

طريق إلى الحرّية، أم إعادة إنتاج للعبودية؟

بعد يوم من العمل الشاق عاد “بلات/ نوروثوب” إلى كوخه الصغير؛ فوجد “إليزا” تبكي منتحبة على أطفالها الصغار الذين ظلّوا مجهولي المصير في سوق الرقيق بعد أن ابتيعت أمّهم.

لم يحتمل بلات نواحها، فصرخ بها آمراً إياها بالتوّقف عن البكاء؛ فأجابته قائلة: “هل أزعج سيّدي وسيّدتي ؟ هل تأبه لخسارتي أقلّ من رفاهيتهم؟
بلات: السيد (فورد) رجل محترم.
إليزا: إنّه نخّاس، لكنّك تخضع تحت قدميه، إنك تتمتّع بإحسانه لك.
بلات: إنّني أحاول النجاة منه، لن أرضخ لليأس، سأعرض مواهبي للسيّد (فورد)، حتّى تتاح لي فرصة الحرّية.
إليزا: فورد هو فرصتك! أتخال أنه لا يعلم إنك أكثر مما تبدو عليه؟ لكنّه لا يفعل شيء من أجلك، لست أفضل من حيوان ثمين بالنسبة له.”
استفزت جملة إليزا بلات مما جعله يصرخ مرّة أخرى طالباً منها ألا تتهمه؛ فظهره مليء بالندوب بسبب سعيه إلى الحرّية.
بكت “إليزا” وقالت : ” أنا لا أتهمّك بشيء، لأنّني فعلت أشياء مشينة مراراً لأنجو بحياتي.”

إليزا تنتحب

تؤكّد هذه المشاهد ما راح إليه “لا بويسي” في كتابه “العبودية الطوعية” إلى أنّ حال الإنسان الذي يألف العبودية هي حال انحراف وشذوذ أخلاقي وانهيار للقيم. (8)

ربّما كان هذا الخلل القيمي واحداً من العوامل التي توحي للعبد كما حصل مع إليزا بأنّ الخنوع والخضوع سبيلان نحو الحرّية، أو بحالات أخرى نحو تحصيل الامتيازات أو نيل الأفضلية لدى السيّد.

عبر هذا الإحياء تضطر العبودية الناس إلى اللجوء إلى النفاق والتذلّل وتبخيس النفس؛ وتنخر في الصميم البشري دافعة به نحو الفناء؛ فيتفشّى الظلم والاستبداد ويعيد تدوير نفسه لأجيال متلاحقة. (9)

ولو أنّ العبيد ذهبوا إلى مساءلة ومحاسبة أسيادهم لما تمكّن الأسياد منهم، إلا أنّ الطغيان جعل من جزع الناس وخوفهم منطلقاً ومركزاً ليولد منه ويعود إليه؛ فالعبودية انهيار للقيم الإنسانية لصالح قيم السيّد، وانهيار للمبادئ الأخلاقية لصالح المبادئ الصناعية للسيّد؛ فلا الجسد ولا الوقت ولا الروح ولا النَفَسْ الواحد هو ملكاً للعبد ولكن لسيّده الذي يعيد تشكيلهم بحسب أغراضه فتنقشع هوية العبد ليخرج العفنّ ويبعث بروائحه فتمرض الروح وتندثر.

معايير مشوّهة من معرفة حقّة تحكم عليك بالطاعة! ..

بعد مرور ثلاث سنوات على عرض فيلم ” 12 Years a slave” للمرّة الأولى، أطلّ علينا فيلم “The Birth of a Nation (2016) ” ليَقصّ فصلاً جديداً من معاناة ذوي البشرة السوداء، وهذه المرّة في ولاية فرجينيا في عام 1831؛ فيصوّر لنا شتّى ألوان الفقر والعذاب التي عايشوها، ويحاكي تشكّل أوّل براعم الثورة في نفوس هنود أمريكا الحمر، ونموّها الطبيعي مؤكّداً على الهدف الأنطولوجي/الوجودي لكلّ كائن حيّ على هذه المستديرة، ألا وهو: الحرّية.

تدور أحداث الفيلم، المقتبس عن قصّة واقعية، حول انتفاضة عبيد مقاطعة فرجينيا الأمريكية من ذوي البشرة السوداء في مواجهة الإقطاعيين والأسياد من ذوي البشرة البيضاء، انتفضت الثورة بقيادة نات تورنر القدّيس الذي شاع أسمه في كلّ مكان في ذلك الزمان، وأصبح بمرور الوقت رمزاً من رموز المقاومة.

تجتهد عدسة المخرج “ديفيد غريفيث” لتظهر “تورنر” الصغير فضولياً ومتعلّماً فذّاً سريع البديهة. فأوجد الصبي طريقه لتعلّم القراءة والكتابة متمّيزاً عن أقرانه. يقرأ في الكتاب المقدّس بين الحين والآخر حتّى صار مصدراً لإلهامه؛ فغدا يعمل جاهداً ليفوز بخصوصية ما عند سيّده ليسمح له الأخير بأن يكون واعظاً ومبشّراً لأقرانه في المزرعة الفسيحة.

بات تورنر الصغير يقرا في الانجيل

يُجمّع أبناء جلدته في كلّ أسبوع حوله ليتلو عليهم بعضاً من آيات العهد الجديد (( الآيات المسموح بتلاوتها )). يحثّهم فيها على العمل والصبر وتحدّي مصاعب الحياة؛ فتخفّ آلامهم الروحية لتبقى الآلام الجسدية تنزّ جروحها ليلاً نهاراً.
وسرعان ما شاع خبره في المزارع المجاورة؛ صبي واعظ ومبشّر من صلبهم وصلب مآسيهم، الأمر الذي ما كان شائعاً في عُرف سكان الجنوب الأمريكي آنذاك. وبذلك تهافت أسياد المزارع المجاورة للظفر بعظاته التي تستكين لها كلّ روح متمرّدة من أرواح العبيد المعذّبين؛ فيبرّر نواقص الأسياد ويهدّئ النفوس.

ينتقل من مزرعة إلى أخرى برفقة سيّده مرّة بعد مرّة، يتلوا تلك الآيات التي حفظها عن ظهر قلب فتخور المطالب وتتهاوى، ومع كلّ زيارة لمزارع البطش والحرمان والتنكيل يتعاظم شعوره بالمسؤولية والذنب المريرين لمصاب أهله وناسه، ما دفعه لإعادة النظر في ذاته وفي أفكاره المسبقة عن دوره في هذه الحياة.

طلب من صديقه المقرّب أن يقوم بجمع مجموعة من الذين يثق بهم ويقابلوه عند شجرة السرو الكبيرة، ولمّا تحلّق الجمع من العبيد حول النار، وقف تورنر تحت الشجرة العملاقة وصرخ بأعلى صوته:
“بقيت مؤمناً لفترة طويلة، أبشّر، وأسرد الكتاب المقدّس، وأشاطر بشارة أوراق معدودة، تلك المقاطع التي كان مسموحاً لي بقراءتها، ولكنّي أعدت قراءتها كلّها ومن البداية ببصيرة جديدة. أصبحت أفهم الآن؛ فمع كلّ آية يستخدمونها لدعم استعبادنا، هناك أخرى تطالب بتحريرنا، وكلّ آية يستخدمونها لتبرير تعذيبنا، هناك أخرى تدعو عليهم بالهلاك لما اقترفوه من أفعال”.

تدفع قصّة القدّيس/الثائر تورنر المُشاهد للتأمّل طويلاً بدور الدين في تطويع العبيد وقمعهم في تلك المزارع، وفي دوره أيضاً في الدعوة للحرّية وتأكيد الإنسان على مساواته لأخيه الإنسان.

“عِنْدَئِذٍ فَتَحَ بُطْرُسُ فَاهُ وَقَالَ:‏ أَنَا أَجِدُ بِٱلتَّأْكِيدِ أَنَّ ٱللهَ لَيْسَ مُحَابِيًا‏. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ،‏ مَنْ يَخَافُهُ وَيَعْمَلُ ٱلْبِرَّ يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَهُ.”‏ 10:35 أعمال الرسل _ العهد الجديد.
إنّ رأي الإنجيل في تساوي الأعراق رأياً واضحاً أشدّ الوضوح، ولكن مثله كمثل كلّ الآثار الفقهية في الدين يمكن تأويله وإعادة صياغة معانيه لتناسب سيّداً منغمساً في تسلّطه، أو ثائراً فاتحاً توّاقاً للحرّية.

وهنا الإنجيل، في فيلمنا المطروق، لا يعدو أن يكون مصدراً “للمعايير”؛ فالأسياد لا يستعبدون البشر إلا لأنّ الله يبيح لهم هذا الاستعباد. والمستعبدون سواسية أمام الله يخضعون لهذا المعايير مهما أوغل المُستعبِد في استعبادهم؛ لأنّ لا شيء يحدث خارج إرادة الله ومشيئته المدوّنة في صفحات هذا الكتاب المقدّس.

تورنر في القدّاس

فالإنجيل بهذه الحالة ((مصدراً مُحْتَكراً) للمعرفة، لا يسمح الأسياد لعبيدهم بقراءته كاملاً وإنّما يتخيّرون لهم الآيات التي تقوّي فرضية الاستعباد وتدعّمها وتصبّرهم على قبولها، لا بل حتّى الإيمان بها واعتقادها. والإنجيل بهذا المفهوم هو التكنولوجيا التي تسمح للأقلّية العرقية البيضاء باستعباد الأكثرية العرقية السوداء.

وعلى الرغم من أنّ كتاب “معذبو الأرض” للمناضل الجزائري من الأصول الفرنسية “فرانز عمر فانون” يحاول تسليط الضوء على الاستعمار أكثر منه على الاستعباد، إلا انّنا نجد في ما كَتَبَ خير إسناد ترتكز إليه قراءتنا لهذه الأحداث من فيلمنا موضوع التحليل.

يكتب الطبيب النفسي والفيلسوف فانون بينما السرطان ينخر جسدهُ:

” إنّ العلاقات بين المستعمَر والمستعمِر هي علاقات جماعة بجماعة والمستعمِر يقاوم كثرة العدد بكثرة القوى التكنولوجية، إنّ المستعمِر إنسان مصاب بداء الميل إلى العرض، واهتمامه بسلامته يحمله على أن يذكّر المستعمَر جهاراً نهاراً بأنّه هو السيّد : «أنا هنا السيّد» فيثير في المستعمَر غضباً يكبحه إلى حين يهمّ أن يخرج . إنّ المستعمَر موثَق بالأغلال الثقيلة التي أحكم الاستعمار اطباق حلقاتها عليه”(10)

وهذه الأغلال الثقيلة وليدة القوّة التكنولوجية التي يمتلكها الأسياد في مواجهة عبيدهم. والمعرفة الدينية في فيلمنا هذا هي جزء لا يتجزّأ من القوّة التكنولوجية التي لا يمكن إلا وأن تتوفّر لدى أيةّ جماعة تحكم بالطغيان والقهر لا بالحقّ والانصاف؛ فالدين إلى جانب السلاح لدى أسياد فيرجينا هي الأدوات المستعملة لتهدئة وتصبير المُستعمَر/المُستعبَد؛ لتكون بذلك جماعة أقلّية تُخضع الأكثرية بالثنائية المركزية للسلطة: “العنف/القوة والمعرفة”.

فالمعرفة، وكما سيبيّن الفيلم لنا لاحقاً، هي الحائل الوحيد بين العبيد وحرّيتهم المرجوة، فمعرفتهم الأكيدة بمشيئة الله (المُفبركة/المشوَّهَة من قِبل الأسياد) تحطّم كلّ محاولة للتفكير بعدالة ما، فالكفرُ هو مصير كلّ من أراد أن يثور على الأوضاع.

ولكن هل بالمعرفة الحقّة وحدها يتخلّص العبيد من عبوديتهم؟

العبودية الطوعية فنّ إجهاض الثورة .. فلويد الرمز اللاشعوري للأمّة

حكى تورنر لرفاقه عن الحرّية وضرورتها، وعن عدم أحقّية الأسياد في استعبادهم، طالباً مؤازرته خطّته المُعدّة لنيل الحرّية؛ فعليهم أن ينتظروا إشارة منه ثمّ ينطلقون إلى قرية غنيّة بمخازن الأسلحة للتسلّح ومواجهة الرجال بيض البشرة المحليين.

the birth of a nation

صورة من فيلم the birth of a nation

أتى اليوم الموعود فتحقّقت رؤية تورنر في انخساف الشمس ((إشارة من الرب))؛ فذهب ليلاً لمنزل سيّده، ومن غير شفقة، طعنه في فراشه، ثمّ خرج أمام قاطني المزرعة من العبيد وخاطبهم قائلاً:
“سيّدكم في الدنيا رحل، أصبحتم الآن أحراراً رجالاً ونساءً، بوقع الحدّ على رؤوس أعدائنا، أسلافنا وأحفادنا فرحون، هل نحن أموات؟ لا، أنا أقول أنّنا أحياء الآن. فإنّ النظر من عيون من كانوا ينكروننا منذ ولادتنا في ظلام العبودية، هو الحرّية.”

وفي إثر الخطاب، وبعد أن تجمّعت قوات العبيد، دبّت معركة طاحنة بين الأحرار الجدد والأسياد القدامى؛ ما دفع الدولة إلى إرسال تعزيزات سنحت للأسياد باستعادة مليكتهم على عبيدهم المترّدين.

قُتل البعض، وأُسر آخرون وكان من بينهم تورنر الذي شُنِقَ في ساحة البلدة وسُلخ جلده عن عظمه وقُطِّع وخضخض لحمه ثم حُوّل إلى شحم للعربات.

بعد أن قتل بات تورنر سيده وخرج مبشرا العبيد بحريتهم

ودفعت حادثة التمرّد والعصيان هذه الدولة إلى فرض سلسلة من القيود القمعية المستحدثة؛ فذكاء تورنر ومعرفته كانا عاملاً رئيسياً في تمرّده، مما جعل العديد من الولايات تقرّ مراسيماً تجعل من تعليم الزنوج القراءة أو الكتابة أمراً غير قانونياً.

اقرأ المزيد:

لا ينتهي فيلم ” The Birth of a Nation” نهاية سعيدة كما نرى. ولكنّه يقدّم تسلسلاً فذّاً لمراحل نمو الثورة في صميم الجماعات المقموعة: “من العذاب والقهر، إلى المعرفة، ثمّ التخطيط لنيل الحرّية، فالثورة.”

وأناقش بداية مشكلة العذاب والقهر؛ فهل العذاب والقهر نتيجة حتمية لكلّ مُستَعبَد؟ وإذا كان كذلك فما نفع حياة المُستعبَدين؟

” إن الشعب الذي يستسلم بنفسه للاستبعاد يعمد إلى قطع عنقه، والشعب الذي يكون حيال خيار العبودية أو الحرية، فيدع الحرية جانباً ويأخذ نيّر العبودية، وهو الذي يرضى بالأذى، بل يسعی بالأحرى وراءه. (…) فماذا يمكن أن يكون أثمن لدى الإنسان من أن يجد نفسه ضمن حقّه الطبيعي، وأن يعود، إذا ما صحّ القول، من كونه بهيمة إلى كونه إنساناً؟” (11)

يلخّص إتيان دو لا بويسي في هذه العبارات المقتضبة نظرته السياسية لواقع الجماعات المستعبَدة والمسترقّة، فمقالته (العبودية والطوعية) تسعى أكثر ما تسعى إلى الكشف عن دور المُستعبَد في عبوديته. ويتضح رأيه هذا في نصّه الخطابي التالي:

” أيّتها الشعوب المسكينة والبائسة والحمقاء، أيّتها الأممّ المكابرة في دائها والعمياء عن نعمتها، أنتم تتراخون فتدعون الأجمل والأنقى من رزقكم يختطف من أمامكم، فحقولكم تُنهب وتُسرق، وبيوتكم تتعرّى من الأثاث القديم الذي كان لآبائكم. وتعيشون على نحو لا يسعكم معه الزهو بأنّكم تمتلكون شيئاً. يبدو أنّكم، إذا تُرك لكم نصف ممتلكاتكم ونصف عائلاتكم، ونصف حياتكم، تعتبرون ذلك سعادة كبرى.” (12)

تمثال لإتين دي لابويسيه

فالعبيد من وجهة نظر لا بويسي يشاركون مشاركة حقيقية في محو أصلهم ونهب خيراتهم وسرقة ممتلكاتهم عبر ما يسمّيه العبودية الطوعية والتي بدورها تنشأ عن طبيعة سيكولوجية\نفسية لدى المقموع والمستعبَد، فمجرّد التفكير بمآل المتمرّدين لهو كارثة شعورية فكيف تكون حاله إن هو تمرّد؟ فهذا السؤال ذا الطابع التصوّري الذي مردّه إلى غريزة الخوف الإنسانية هو أيضاً جزءاً من الحائل بين العبد وحرّيته.

إلا أنّ لا بويسي يأبى إلا وأن يكمل رسالته التي بدأها، ويفسّر هنا للمستعبَد ضرورة الحرّية وكنهها، فيقول:
” إن كانت الحرّية طبيعية، إذ لا يسعنا الإبقاء على أيّ كائن في حال العبودية من دون إلحاق الأذى به، فما من شيء في العالم يناقض الطبيعة العاقلة سوى الظلم، فالحرّية طبيعية؛ لأنّنا لم نولد وحرّيتنا ملك لنا فحسب، بل نحن مكلّفون أيضاً بالدفاع عنها. ” (13)

من بين مئات المفكّرين الذين يتطرّقون لإشكالية العبودية أخترنا “لا بويسي 1530_ 1563” ولم يكن اختيارنا هذا اعتباطياً؛ وإنّما لما نراه من قِدَم الحال والحلّ فيما يتعلّق بالاضطهاد والعنصرية.

فبعد الثورة الفرنسية 1789 التي أقرّت حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، وبعد حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية 1954 التي أبطلت التمييز العنصري، ما يزال عالمنا يعايش مشاهد اضطهاد عنصري، ما دفعنا لاختيار مفكّر سابق على عصر التنوير (1715_ 1789) ليقول لشعوب ما بعد الحداثة (1945 – إلى غاية اليوم) ما الذي عليهم فعله لنيل الحرّية، فيؤكّد لا بويسي ألّا حلّ سوى المدافعة عن الحقوق، ولا يتمّ الأمر أبداً إلا بالثورة.

من بيرز او آ نيشن لحظة تحرر العبيد

وهذه هي حال عبيد فرجينا الذين انفجروا في وجه أسيادهم العتاة المسلّحين مفضّلين الموت على حياة الذلّ، وهي حال الانتفاضة الأمريكية الحالية التي عرفت منذ البداية أنّ السكوت ليس سكوتا عن موت مواطن، وإنّما عن موت معايير كانت سبباً في تحقيق العدالة والعيش الكريم لهم.

ويبقى العنف في “الانتفاضة الأمريكية”، ولو لم نكن معه بشكل عام، مبرّراً؛ لأنّ الأمن هو السلعة الأغلى ثمناً لأيّ دولة من الدول المشاركة ((فعلياً)) في النظام العالمي الجديد/الرأسمالية وهذا حال الدول المشاركة، فكيف ستكون إذاً حال الدولة الضامنة لهذا النظام فيما لو هُدّد أمنها؟

إنّ من يراقب أداء إدارة ترامب، منذ تسلّمها زمام العمل السياسي في عام 2017، سيعلم تماماً ما مدى أهمّية الاستثمارات الخارجية بالولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة لهذه الإدارة، بخلاف الإدارات الجمهورية السابقة التي ركّزت أكثر على تجارة السلاح والحروب والسياسة، وإنّ اشتعال انتفاضة تستهدف المحال التجارية والبنوك والمؤسّسات المصرفية ستكون خطراً واقعياً يدفع بالمستثمرين بالهرب إلى خارج البلاد ما يعني خروج رأس المال وخسارة الإدارة ورقتها الرابحة في الانتخابات القادمة.

المعركة بين السود والبيض

وللانتفاضة الأمريكية مبرّراً آخراً، ألا وهو خصوصية مقتل “جورج فلويد” التاريخية، فاضطهاد المواطنين ذوي البشرة السوداء له ذكريات مؤلمة ومخيفة في تاريخ الأمّة، لا سيما الحرب الأهلية (1861 _1865) التي كان من أهمّ أسبابها الرقّ واستعباد البشر سود البشرة من قبل البشر بيضها، وفلويد بهذا المعنى رمزاً لا شعورياً لدى الامّة الأمريكية ويعدّ مقلته بهذه الطريقة على يدّ الشرطة شبيهاً بنبش العُصاب في نفس الإنسان المريض؛ ما يدفعه للمقاومة والانقضاض لا إرادياً في محاولة لاستيعاب الموقف والإبقاء على استقرار نفسه.

وفي الختام نذكّر بقول المفكّر العربيّ الكبير عبد الرحمن كواكبي في كتابه ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”:
” الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشرّ وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة، وعمي الضرر وخالي الذلّ، وابني الفقر وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب، أمّا ديني وشرفي و حياتي فالمال المال المال.” (13)

الآراء الواردة في زاوية قراءات نقدية لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

المراجع:

(1): http://www.touregypt.net/featurestories/slaves.htm
(2): https://www.britannica.com/topic/slavery-sociology/The-sociology-of-slavery
(3): https://newint.org/features/2001/08/05/history
(4): http://www.historyworld.net/wrldhis/plaintexthistories.asp?historyid=ac41
(5): Ibid
(6): https://www.britannica.com/topic/slavery-sociology/Slavery-in-the-Americas
(7): ممدوح عدوان، حيونة الإنسان، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، صـ 100 إلى 103
(8): إيتيان دو لا بوسي، مقالة العبودية الطوعية، ترجمة: عبود كاسحة، مركز دراسات الوحدة العربية، صـ 107
(9): ): ممدوح عدوان، حيونة الإنسان، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، صـ 163 164
(10): معذبو الأرض، فرانز فانون، موفم للنشر الجزائر، طبعة 2007، صـ20
(11): إيتيان دو لا بوسي، مقالة العبودية الطوعية، ترجمة: عبود كاسحة، مركز دراسات الوحدة العربية، صـ151
(12): Ibid صـ 153
(13): Ibid صـ 156
(14): طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، دار النفائس، الطبعة الثالثة منقّحة 2006، صـ 88

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق