سوريانا

مدينة “دورا أوروبوس” في دير الزور..الحضارة الغافية على كتف الفرات

إلى الشرق من محافظة دير الزور، على مسافة 90كم وعلى ضفة الفرات اليمنى، تقع المدينة السورية “دورا أوروبوس” في منطقة الصالحية على مقربة من مدينة البوكمال، بين هضاب ثلاث ووادٍ توسطتها “دورا أوروبوس” كمحطة هامة وأولى في سوريا على طريق الحرير القادم من الصين إلى حمص فالسواحل السورية على المتوسط.

التسمية  

واسمها دورا وتعني مدينة وأوروبوس نسبة إلى الأميرة أوربا التي حملت هذا الاسم وهي أوربا بنت اجينور ملك صور.

لمحة تاريخية

 كانت “دورا” مدينة بابلية، ولكن مع سقوط بابل عام 538 ق.م بيد الفرس بقيادة كورش تشكلت إمبراطورية فارسية على أنقاض إمبراطورية بابل، شاملة الرافدين وبلاد الشام. 

وبالتدريج استطاعت أن تضم العالم المتمدن آنذاك الممتد من مصر والمدن الأيونية في آسيا الصغرى إلى البنجاب في الهند، والجدير بالذكر أن اللغة الرسمية للإمبراطورية الفارسية كانت اللغة الآرامية حيث كانت اللغة العالمية آنذاك.

كنيس دورا أوروبوس

في عام 333 ق. م وقعت معركة أسوس بين الفرس والمقدونيين بقيادة الإسكندر الكبير المقدوني، وانتصر المقدونيون لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المشرق العربي.

وأعيد بناء دورا أوروبوس من قبل السلوقيين عام 300 ق.م،  ومن ثم ضمها الرومان إلى دولتهم عام 165م وقاموا بتحصينها، قبل أن يحتلها الساسانيون ويدمروها عام 256م. 

ورغم أن تاريخ هذه المدينة تراوح بالانتماء بين البابلية والسلوقية والرومانية إلا أن ثقافة أهلها بقيت متأثرة بالحضارة السريانية والتدمرية المحيطة بها.

واستعاض السلوقيون عن تدمر بدورا أوروبوس، التي أصبحت المحطة السورية الأولى لطريق الحرير القادم من الصين ومن ثم إلى حمص والبحر الأبيض المتوسط، الذي كان بحق بحيرة سورية، حيث أن البحارة السوريين جعلوا منه ليس فقط مكانًا لمرور القوافل والمبادلات التجارية، بل ملتقى  للأفكار والمبتكرات والمعتقدات والتمازج الثقافي. 

 التاريخ العسكري

يحيط بـ دورا أوروبوس ثلاث هضاب ووادي مما جعل منها موقع عسكري ممتاز، ومن ناحية  الغرب تطل على البادية السورية وصولًا حتى تدمر التي كانت تربطها بها روابط وثيقة تركت أثارًا واضحة على الصعيد التجاري والثقافي والعسكري.

وكسائر المدن القديمة كانت دورا أوروبوس محاطة بسور مع أبراج مراقبة، ومن أهم بواباتها التي بقيت صامدة حتى اليوم بوابة تدمر، وكان لديها بوابة أخرى تطل على الفرات ولكنها تآكلت بفعل المياه.

في العصور الأولى لتأسيس المدينة لم تكن دورا أوروبوس مدينة حربية مهمة، بل ربما كان فيها مجموعة من الجنود لحراسة طريق القوافل، ويرجح أن معظم هؤلاء الجنود كانوا يتبعون إداريًا لتدمر

وفي العصر الروماني اختلف وضع مدينة دورا أوروبوس كليًا، حيث كانت تدور معارك طاحنة بين الرومان والفرس، وفي عام 200م تحولت المدينة إلى معسكر حدودي ذو أهمية استراتيجية بالنسبة للرومان لتدمير حكم أرساسيد الفارسي.

عام 230م تحولت روما إلى وضع دفاعي، بعد أن نجح الساسانيون في تولي زمام الحكم في فارس، وقاموا بتدمير دورا أوروبوس تدميرًا كاملًا لتصبح منطقة مهجورة منذ ذاك التاريخ حتى عام 1920 تاريخ بدء التنقيب عن آثار هذه المدينة.

دورا أوروبوس مجتمع عالمي 

 بالإضافة إلى السوريين من شعوب ما بين النهرين والتدمريين، استفادت المدينة من وجود كل من اليونان والفرس والرومان والبربر القادمين مع الجنود الرومان وحضارات الشرق الأقصى من خلال وقوعها على طريق الحرير، ومن وجود ديانات عدة، بدءًا ببعل والآلهة السورية المحلية ومن ثم الآلهة اليونانية والفارسية والرومانية، ومرورًا باليهودية (حيث تمتع اليهود بعيش كريم في هذه المدينة بعد سبيهم إلى بابل)، ومن ثم المسيحية التي أنشئت في دورا أوروبوس أول كنيسة لها لا تزال نقطة جذب للعديد من السياح.

هذا التنوع الهائل الذي جمع كل ما في العالم القديم من ثقافات مختلفة، خلق حالة فريدة من نوعها في هذه المدينة، هذه الحالة يمكن أن نطلق عليها بحق أنها كانت مجتمع عالمي أو قرية عالمية لما تميزت به من غنى التعددية والاختلاف.

نهاية دورا أوروبوس

لقد دلت الحفريات على أن حصار الفرس للمدينة وضربها بالنار والحجار أدى إلى تهدم العديد من المنازل والمباني، من بينها المعبد اليهودي والكنيسة المسيحية الأولى .

ومع ذلك لم تنهار المدينة، فباشر الفرس بحفر خنادق تحت الأرض لخلخلة سور وأبراج المدينة، وقد حاول الرومان منعهم بحفر خنادق أخرى للوصول إلى معسكر الفرس، إلا أن الفرس كانوا أسرع مما أدى إلى استسلام الرومان.

ويمكن معرفة هذه الأمور من خلال انهيار المباني على الأسلحة الرومانية التي بقيت دون استعمال، بينما وجدت بقايا متفجرات الفرس من كتل نارية، مما يدل على أن خطتهم توجت بالنجاح.  

ورغم أن السيناريو السابق لتهدم المدينة يبقى في إطار التحليل، إلا أنه من المؤكد أن نهاية هذه المدينة تمت في تلك السنة على يد الفرس، وبعدها أصبحت عبارة عن أنقاض خالية من السكان، وتجتذب من وقت لآخر بعض صيادي الغزلان، وبعض الرهبان المسيحيين الذين كانوا يتوقون للعزلة والسكون 

في نيسان عام 1920 قامت الكتيبة الهندية من الجيش الإنكليزي والتي كانت تخوض آخر المعارك مع الجيش العثماني، قامت بحفر خنادق دفاعية بجانب سور المدينة، فتكشف لهم لوحتان جداريتان الأولى تمثل كاهن سوري، والثانية تمثل ضابط روماني يقدم الأضاحي لآلهته.

إنه لقاء غريب بين جندي روماني في لوحة جدارية تعود إلى سبعة عشرة قرنًا مضى وبين جندي أسيوي أوروبي في مكان سوري يبعد عن موطن هؤلاء آلاف الكيلومترات. 

المتاحف التي تحوي مكتشفات من دورا أوروبس

المتحف الوطني في دمشق: جداريات المعبد اليهودي والحصان المدرع 

 متحف اللوفر في باريس: لوحات جدارية ومنحوتات 

جامعة يالي للفنون الجميلة في الولايات المتحدة الأمريكية نيويورك

 وهي تحوي العديد من مكتشفات دورا أوروبس، إلا أنها مازالت تحت الترميم وغير معروضة للعموم.

أول كنيسة في  العالم

تحوي دورا أوروبوس أول كنيسة في العالم مع حوض مخصص للعماد، مما جعلها مقصدًا للعديد من السواح الذين يتوقون إلى سبر أغوارها محاولين التأمل في خصوصيتها من حيث أنها كانت تمثل  نموذجًا فريدًا للتعددية والانفتاح على الأخر.

وعثر فيها على أقدم رسم تصويري للسيد المسيح، هذا الرسم يصور معجزة  شفاء المقعد، وهذه اللوحة موجودة حاليًا في جامعة يالي في نيويورك.

وفي عام 1934 اكتشفت البعثة أمريكية في دورا أوروبوس قطعة من مخطوط كتبه “تاتانيوس السوري“، مؤسس بدعة “المتزهِّدين” وهي واحدة من سبع هرطقات مسيحية، وهو باللغة اليونانية.

وكان قد تُرجِم إلى عدة لغات منها اللاتينية والأرمنية والعربية، وقد علَّق عليه القديس أفرام السرياني (القرن الرابع الميلادي)، وهو المخطوط الوحيد المتبقي من كتابات تاتيانوس التي فُقِدَت جميعًا. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق