دولي

القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط: عامل أمني أم خطر تصعيد إقليمي؟

تثير القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط تساؤلات حول دورها في الأمن الإقليمي والتوترات الجيوسياسية.

لماذا تقرأ:

  • تحليل عواقب الوجود العسكري الأمريكي.
  • تأثير التنافس بين القوى العظمى على المنطقة.
  • التفكير في الصراعات غير المباشرة التي تشمل الدول الإسلامية.

تعرضت إيران لهجوم من قبل الجيوش الأمريكية والإسرائيلية، وهي حقيقة تم تداولها على نطاق واسع في الأخبار الدولية. وردا على ذلك، ضربت إيران قواعد أمريكية تقع في عدة دول عربية في الشرق الأوسط. كما حذرت السلطات الإيرانية منذ فترة طويلة من أنه في حالة وقوع هجوم مباشر على أراضيها، فإنها سترد على المصالح الأمريكية في المنطقة.

تثير هذه الضربات على الفور سؤالا حساسا: عندما يتم استهداف القواعد الأمريكية الموجودة في الدول العربية، تتخذ التوترات مظهر المواجهة التي تشمل الدول ذات الأغلبية المسلمة. ويغذي هذا الوضع الانطباع بوجود صراع غير مباشر حيث تدور المنافسات بين القوى العظمى على أراضي تابعة للعالم الإسلامي.

وفي هذا السياق فإن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يستحق التساؤل. فهل تساهم القواعد الأميركية حقاً في استقرار المنطقة أم أنها على العكس تساهم في زيادة التوترات؟

إن الوجود العسكري للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ليس جديدا. لعدة عقود، كان لدى واشنطن منشآت عسكرية كبيرة في الخليج. تعد قاعدة العديد الجوية في قطر واحدة من أكبر المنشآت العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة. يتمركز الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، بينما تستضيف الكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أيضًا بنى تحتية عسكرية أو لوجستية.

رسميًا، تهدف هذه القواعد إلى ضمان الأمن الإقليمي وحماية حلفاء الولايات المتحدة وردع أي عدوان محتمل. لكن العديد من المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط يرون أن هذه البنية العسكرية تساهم أيضًا في تحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة دائمة بين القوى المتنافسة.

وسبق أن أبرز المحلل إبراهيم فريحات، في تحليل نشرته قناة الجزيرة بتاريخ 14 يناير 2020، أن القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط يمكن أن تشكل مصدرا دائما للتوترات ومخاطر التصعيد. ووفقا له، فإن العسكرة المتزايدة في المنطقة تزيد ميكانيكيا من احتمال نشوب صراعات غير مباشرة هناك.

كما لفت متخصصون آخرون في شؤون الشرق الأوسط الانتباه إلى العواقب الاستراتيجية لهذا الوجود العسكري. ويوضح الباحث غريغوري غوز الثالث أن الدول التي تستضيف هذه القواعد يمكن، على الرغم من نفسها، أن تجد نفسها على خط المواجهة في المنافسات بين واشنطن وطهران. من جانبه، يرى الخبير السياسي فالي نصر أن أي مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ستكون لها فرصة قوية لحدوثها في المناطق التي تتواجد فيها هذه المنشآت العسكرية.

ومن هذا المنظور، فإن مسألة التكلفة السياسية والاستراتيجية لهذه القواعد تطرح أيضاً. إن مليارات الدولارات المخصصة للدفاع عن هذه البنى التحتية وشراء المعدات العسكرية من قبل بعض دول الخليج يمكن أن تتحملها هذه البلدان نفسها إلى حد كبير على المدى الطويل.

وعلى نطاق أوسع، يرى بعض المحللين النقديين للعلاقات الدولية أن التدخلات العسكرية من قبل القوى العظمى غالبا ما ترتبط بالمصالح الاقتصادية. وهكذا يؤكد الصحفي والكاتب ميشيل كولون أن الصراعات التي تقودها القوى العظمى في مناطق معينة من العالم ترتبط في كثير من الأحيان بالسيطرة على الموارد الطبيعية.

وأشار العديد من الباحثين أيضًا إلى أن المنافسات الحالية في الشرق الأوسط هي جزء من منافسة جيوسياسية أوسع بين القوى العظمى. ويوضح العالم السياسي فالي نصر على وجه الخصوص أن التنافس بين إيران والقوى الغربية أصبح الآن جزءًا من إعادة هيكلة استراتيجية تشمل أيضًا روسيا والصين، وهما ممثلتان تسعيان للحد من النفوذ الأمريكي في مناطق معينة من العالم.

وفي هذا السياق، تحافظ موسكو وبكين على علاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع طهران، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة والتعاون الدبلوماسي. ومن دون تشكيل تحالف عسكري رسمي، فإن تقارب المصالح هذا يوضح وجود توازن أوسع بين القوى العظمى.

كما قام العديد من المفكرين الغربيين بتحليل التأثيرات المزعزعة للاستقرار الناجمة عن المنافسات الدولية في مناطق معينة من العالم. وأوضح المؤرخ والديموغرافي الفرنسي إيمانويل تود بشكل خاص أن تدخلات القوى العظمى يمكن أن تساهم في إضعاف التوازنات السياسية والاجتماعية في مناطق معينة، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى تفاقم الشروخ القائمة بالفعل.

وبنفس الروح، يحلل عالم السياسة جيلبير الأشقر الشرق الأوسط باعتباره مساحة تتسم بـ “الحروب بالوكالة”، حيث غالبًا ما تؤدي المنافسات بين القوى الإقليمية والدولية إلى مواجهات غير مباشرة تشمل جهات فاعلة محلية. وفي هذا الصدد، يعتقد بعض المراقبين أن منطق الحرب الوقائية الذي تذرعت به الولايات المتحدة وإسرائيل في الصراع الحالي يبدو للأسف أنه يؤكد هذا النوع من الديناميكية.

وفي مثل هذا السياق، يحذر بعض المتخصصين من خطورة تتمثل في رؤية التوترات الجيوسياسية العالمية تترجم على الأرض إلى مواجهات تشمل الدول الإسلامية بشكل رئيسي. ومن شأن مثل هذا السيناريو أن يعطي صورة صراع ديني أو إقليمي، في حين أنه في الواقع سيكون متجذرا بعمق في منافسات جيوسياسية أوسع – كما يتضح بالفعل من التدخلات وزعزعة الاستقرار التي أحدثت تحولا عميقا في دول مثل العراق أو ليبيا على مدى العقود الماضية.

وهذا هو بالضبط الخطر الذي ظل بعض الزعماء الدينيين والمثقفين المسلمين يسلطون الضوء عليه منذ عدة سنوات. ومن بينهم ميرزا ​​مسرور أحمد، الزعيم الروحي لعدة ملايين من المسلمين حول العالم، الذي حذر مرارا وتكرارا من عواقب الانقسامات الداخلية داخل العالم الإسلامي ومن مخاطر التصعيد العسكري في المنطقة.

وبالتالي فإن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المنافسات بين القوى العظمى سوف تستمر على أرض الشرق الأوسط، مع المجازفة بجر مجتمعات المنطقة إلى صراعات تتجاوز مصالحها الخاصة.