أنس فرج .. شغف بالدراما جعل من النقد مشروعًا

الاتحاد برس _ بيروت

 

الحرب تطحن كل شيء، وتنزف البلدان التي تشهد نزاعات أهلية مسلحة شبابها وكوادرها العلمية والثقافية بطبيعة الحال. في سوريا التي كانت نخبها القافية تبحث عن متنفس حر وتعاني من التضييق، خرجت لتبحث عن فضاءات جديدة توفر لها شروط الكسب والتميز. الشباب السوري أحد الضحايا أيضا، الخريجون الجدد وجدوا أنفسهم في تربة جافة وسط الاحتراب والدمار وتحديات العيش والانطلاقة في ميادين يحبونها.

على الصعيد الداخلي تراجعت الحركة الثقافية والفنية بشكل ملحوظ، على مختلف الأصعدة من الموسيقا والرسم والشعر والدراما… وحاول صناعها السوريين من مغترباتهم الجديدة القريبة والبعيدة أن يعيدوا شحن هذه الحركة قدر المستطاع. الحديث ليس عن نجاح أو فشل أو تقديم مسح شامل ومفصل لمجمل نشاطات السوريين في الحقل الثقافي والفني في هذه الإضاءة، هي نافذة للقول أنه لا يزال هنالك “جنودا” يقاتلون لحماية الفن السوري والثقافة، كلا منهم حسب موقعه و تنوع وتفاوت الإمكانيات على أمل أن يستعيد الفن السوري ألقه الذي أخفته الحرب خلال الخمس سنوات الماضية تحديدًا .

عن الفن والدراما والسينما أكثر المواضيع التي تشغل الشباب السوري الجديد والمتابعة من السوريين بالأغلب الأعم؛ يُظلم النقّاد الشباب، وتحديدا في الفن والدراما في هذا البحر الواسع، ويشقون بصعوبة أمواج الميديا الحديثة والتدفق المعلوماتي النصي والصوري الهائل ليصلوا إلى جمهور أوسع مع مسؤولية يرونها ملقاة على عاتقهم لنقد وتصويب اتجاهات في الإنتاج الدرامي أو حتى تطلعات لدى الجمهور قد تنجرف وراء إنتاج ضعيف وسطحي بينما يفترضون أن الوقت ثمين يجب أن يُصرف في المكان الصحيح لمحبي الشاشة الفضية والذهبية.  أنس فرج أحد هؤلاء النقاد والمتابعين الجدد والمتخصصين في الشأن الدرامي، شاب سوري من مواليد قرية “الكفر” (تبعد 12 كم عن السويداء)، يسكن في لبنان، وهو خريج كلية الإعلام بجامعة دمشق، وحائز على “ماستر” بعلم  النفس الإعلامي. يُعتبر “فرج” أحد أولئك “الجنود”، الذين اتخذوا من علمهم وإمكانياتهم وشغفهم، سلاحًا للنهوض بالفن السوري وتحديدًا الدراما السورية .

شغف “أنس” بالفن والدراما تكوّن منذ الصغر، فمتابعة الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية وطريقة تقديمها دفعت به لدراسة الإعلام، والتخصص بالصحافة الفنية وتطوير الأفكار وصناعتها، ومع مرور الوقت والتعامل مع الصحفيين اتجه إلى الخط النقدي الذي يضع الملاحظات ويقيم الأعمال الدرامية والفنية .

منصة “etsyria” .. من الفكرة إلى الغاية

 

يقول “أنس” خلال لقائه مع “الاتحاد برس”، أن “الصحافة السورية أهملت الدراما السورية بشكل كبيرة وظلمتها”، وهو ما دفعه للاهتمام بتطوير فكرة أحد أصدقائه وإنشاء منصة إعلامية “etsyria” تسلط الضوء على المواهب السورية وتصنع جسرًا بين الفنان والمشاهد  .

ويؤكد “فرج” أن “مشروع “etsyria” يهدف إلى المقارنة والمفاضلة بين النجوم والمواهب، حيث تقوم المنصة بتغطية أخبار الفنانين بطريقة تتناسب مع فكرة الطرح الراقي، والذي يجب إلى أن يصل للناس بشكل حقيقي” .

كما ويقوم المشروع الإعلامي غير المدعوم ماديًا ويعتمد على ذاته بالتمويل،  بحسب “أنس”، على تقديم الدعم للمواهب التي تستحق أن تصل للناس، بالإضافة لرفع ذائقة الجمهور من خلال تلقي الأخبار وفهم الفن بطريقة أنضج من فكرة “الترند” فقط .

رقعة شطرنج

 

اهتمام “أنس” بالمسلسلات السورية دفعه لابتكار فكرة إبداعية خلاقة، تُقيّم الأعمال الرمضانية والمسلسلات من خلال “رقعة شطرنج”، يتحرك ضمنها المسلسل بعناصره المكونة من الكاتب والمخرج والممثلين والفنيين وغيرهم، متحدين خصمًا بالطرف المقابل يمكن اعتباره “الجمهور والنقاد والمحاكمة الجماهيرية للعمل”، فأنس لا يكتفي بمتابعة الععمل بل يرصد بدقة الرأي العام من خلال السوشيال ميديا و قنوات أخرى وتقلبات مزاجات الجمهور وفق معايير إحصائية معتمدة.

متابعة الأعمال الرمضانية منذ نشأتها وتوقيع النص وبناء العمل واختيار الممثلين، مكنت “أنس” من معرفة كيف لعب كل ممثل دوره وما هي الطريقة التي نفذه بها، ومن هنا تبدأ المنافسة وعملية تحريك الممثلين على رقعة الشطرنج.

ومع بدء عرض المسلسل تبدأ المنافسة على رقعة الشطرنج، وفق ما قال “أنس” لـ”الاتحاد برس” فإن تمكن العمل وعناصره من إثبات قدرتهم على امتلاك حواس وذهن وتركيز الجمهور يفوزون بالمباراة من خلال الممثلين الكبار الذين يعتبروا “قلاعًا” ضمن الرقعة يحمون العمل أو الممثلين الجدد باعتبارهم “أحصنة” يتمكنون من المناورة والتقدم، بينما لو تمكن الطرف الآخر (النفاد والجمهور) من إثبات ركاكة أو سوء تمثيل أو فشل أو التقليد تكون النتيجة بصالحهم ويخسر العمل ضمن الرقعة .

 

ما الذي أصاب الدراما السورية ؟

 

يجد “أنس فرج” أن “الدراما السورية بشكل عام فقدت قوة بنياها للمنافسة بشروط تحملها هذه الدراما نفسها، وتحولت إلى دراما قيد التنفيذ بناءً على شرط المنتج ورأس المال الذي غالبًا يكون عربيًا أو مؤدلج، وفي الحالتين يفرض شروط صارمة لصناعة الدراما، التي تكون موجهة أو تميل لقالب “التريند” .

الدراما السورية في أعوامها الثلاثة الأخيرة كانت تعطي إنذارًا أخيرًا لوجودها، فالخلل العميق في بنيان هذه الدراما أدى إلى عدم القدرة على انتاج مسلسل سوري منافس نظرًا لغياب قنوات تلفزيون مسوقة وغياب رؤية سوق الانتاج لدخول السوق العربي بشكل قوي كمنتج وليس كمنتج منفذ .

ويضيف الناقد الفني “أنس” أن “سبب التراجع هو ابتعاد بعض رؤوس الأموال العربية، بالإضافة للمزاج العام الذي مل من رؤية المجتمع السوري من نافذة الحرب فقط، التي كانت الدراما السورية تقوم عليه على مدار 5 أو 6 السنوات الماضية” .

فبالتالي أصبح هناك نفور من طرح الدراما بهذا الشكل وصارت الدراما المطلوبة هي فقط في نطاق البيئة الشامية أو بنطاق الدراما المشتركة القائمة على وجود ممثل أو ممثلة سورية فقط وبالأغلب ممثل سوري ذكر .

أما عن أزمة الفن بشكل عام ضمن سوريا، فيجد “أنس” أن “أزمات الفن السوري ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج أزمات متلاحقة وتصدعت أكثر بفترة الحرب، فبينما كان يوجد مهرجانات محلية تسوق للفنانين وانتاج محلي بالرغم من قلته ووجود لمشاركات سورية بمهرجانات وفعاليات عربية، كلها اختفت تدريجيًا حتى كادت تنعدم” .

ويصنف “فرج” أزمة الفن بسوريا إلى 3 تصنيفات، الأولى “هي غياب المشروع بسبب تغير الأحداث وسرعة تقلبها والانتقال من بلد “.

أما الثانية فهي “غياب جهات وصناديق الدعم التي تدعم الفنان وتؤمن له الوصول للقاعدة الجماهيرية وتحقق له الانتشار” .

الأزمة الثالثة هي “فكرة التبدل المستمر بمزاج الشارع القائم على الحياة اليومية، الذي يُغيب القضية عن الفن ويجعله فارغًا ومقدمًا بشكل سطحي” .

ماذا أضاف لك السفر خارج سوريا ؟

 

مكنني السفر خارج البلاد تكوين شبكة تواصل أكبر وخاصة أن وجودي ببيروت ساعدني على التواصل مع شريحة أوسع من الفنانين وهذا شكل قاعدة لبناء المعارف، كما أن السفر أتاح لي فرصة حضور ورشات ودورات تدريبية والاستفادة من الخبرات الموجودة خارج سوريا.

لكن هناك بعض السلبيات كوني بعيد عن البيئة الميدانية للعمل، مع أن الرؤية عن بعد تكوّن صورة أنضج، ولكن في بعض الأماكن الوجود بالداخل قد يساعد أكثر مثل ما جرى ضمن انتخابات الفنانين السوريين، فالحضور هناك كان ممكن أن يحقق إنتاجًا أفضل .

يختم “أنس” حديثه مع “الاتحاد برس” قائلًا “أنا جزء من هذا المجتمع الذي تعرض لصدمات كبيرة، ولكن الطموح لم يتوقف، لدي مشروعي الشخصي القائم على البقاء ضمن الساحة الفنية وتطوير الخط النقدي والحواري، ومتابعة مراحل هامة على الصعيد الفني بسوريا، وتطوير منصة “etsyria”  التي يعمل ضمنها مجموعة من الشباب المبدعين والمفكرين لتصبح نموذجًا يحتذى به لتقديم أخبار الفن ودعم المواهب” .

 

قد يعجبك ايضا