السلايد الرئيسيتحقيقتقاريرحصاد اليومرصدسوري

دير الزور .. الحزن القادم من الشرق

الاتحاد برس – المحرر الرئيسي :
إعداد : ولاء تميم

چـِـذَب مـن قـال أحـب الـديـر، أو يـذبـحـني طـاريـهـا، وچـِـذَب مـن قـال أهِـل ادمــوع، بـالـبـوگـــة وأداريـهـا”

بنبرةٍ تشوبها الرغبة بالبكاء قد تصل حدّ العويل بهذا السطر جاوبني به الصديق “عمران” ابن مدينة دير الزور حينما سألته أتشتاق الفرات؟، ويضيف:” قبل عام 2011 عند كتابتك اسم سوريا على محرك البحث “غوغل” ستشاهدين الجمال، الأرض الخضراء، بحر اللاذقية، ساحة السبع بحرات، نواعير حماة، جسر دير الزور المعلق، حاولي أن تكتبي سوريا اليوم على محرك البحث ستكون خياراتك هي التالية ” ما مصير حقول النفط السورية؟” الليرة السورية تهوي” شاهد دمار سوريا”.

اختصر “عمران” ببضع عبارات ما آلت إليه الحال اليوم في سوريا، وفي مدينته التي غاردها منذ ما يقارب الثمان سنوات، غادرها وبقي القلب قتيل الأهل والذكريات.

يكمل “عمران” عن “دير الرمان“:” كان السطح غرفتي الواسعة، لا يحدّها مدى، ليس لدينا بحر في الدير لكنّ ما من مكانٍ يستطيع المرء ملامسة السماء فيه مثل دير الزور، كنت أحفظ النجوم عن ظهر قلب، لا أدري اليوم بعد خرق السماء والأرض إن كانت لا تزال حالها، صورٌ من الأهل وصلتني عن المدينة المدمرة والحطام يعمّ في كلّ الأرجاء

يضيف الشابّ العشريني:” صورةٌ لأخي عبد الله قبل الحرب لا تفارق مخيلتي وهو على سطح المنزل يراقب أسراب الطيور، طوال ابتعادي عنهم لأدرس في اللاذقية كنت أتساءل ماذا عساه كان يراقب طوال تلك السنوات”.

ذكريات فقط عن المدينة الجملية ببال أهلها

سنواتٌ من القتال العنيف أفرغت دير الزور من سكانها وسط الخوف والقتل والدمار الذي أحاط بها من قبل تنظيم “داعش” الذي أعلنت القوات السورية الحكومية القضاء عليه في المدينة بتاريخ 3 تشرين الثاني / نوفمبر عام 2017.

يستذكر “عمران” شوارع المدينة الجميلة بحسرة عاشق:” ” دوّار التموين” شارع “حسن الطه” شارع”ستة إلا ربع” شارع “التكايا” شارع “سينما فؤاد” “شارع البدوي” أحبّ أن أترك أخر لحظاتٍ عن هذه المناطق في مخيلتي للأبد، وهي جميلة من غير دمار، لم أزر دير الزور رغم انتهاء النزاع بها، فأظنّ أنني من الممكن أن أصاب بصدمةٍ قد لا أخرج منها بقيّة حياتي إن رأيتها على ما هي اليوم”.

دير الزور اليوم هي نوعاً ما صورة مصغرة عن سوريا، الآلاف عادوا اليوم إلى بيوتهم لكنّهم لا زالوا يصارعون تحديات البدء من جديد والعديد منهم في عداد النازحين.

تتذكر مروة 27 عاماً لحظة هروبها وعائلتها من دير الزور وتقول:” كان الموت يركض خلفنا تماما، لا أدري إلى اليوم كيف سبقناه، هجرنا الدير بملابسنا فقط”، وتضيف “أعيش اليوم في اللاذقية مع أخي وهو ما تبقى من عائلتي، لا نريد العودة، لا أحد يعود إلى اللاشيء ولا أحد يريد أن تخنقه الذكريات وهو نائم”.

تضحك مروة ضحكة النادم على كلامه مع دمعة في طرف عينها وتعلّق ببيتٍ من قصدية للشاعر “اسماعيل حسّو”:” أمـانـة لاتـصـدگـوني، وأمـانـة لـومتـت غـربـة، بـديـر الـزور ادفـنـوني”.

لا رحلات سياحية اليوم إلى الدير، لا مهرجانات واحتفالات، لا تزال المدينة مكسورة القلب والجناح، فالدمار الذي خلفته الحرب من كل الأطراف كان دماراً في نفوس وأرواح وقلوب أهلها قبل أن يكون دماراً على الأرض.

الحطام الذي ملأ المدينة يحتاج أعواماً ليعود منازل ومنشآت، دير الزور الخضراء فقدت الكثير من أهلها وعمرانها، كالجسر المعلق الذي لم يبقَ معلقاً سوى بذاكرة أهلها. الجسر الذي ارتبط بالذاكرة الجميلة لأهل المدينة وزوارها، كان حتى قبيل الحرب طريقا للمارة بين ضفتي النهر الشامية جنوباً والجزيرة شمالاً، وملتقى الأصدقاء وممراً لسير الأحبة، ومتنفساً للعائلات الديرية في أيام الحرّ.

يلفحك حزن وأسى حين سماع قصص الحنين إلى الدير من أهلها ولهجتهم المحببة التي لا تخطئها أذن. أعيادٌ وأفراحٌ كثيرة غابت لسنوات عن المدينة مع غياب أهلها ورغم عودة بعضهم فهم يجبرون خواطرهم المكسورة إلى اليوم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى