أكاديمياحصاد اليومدراسات

حدود القضية الكردية في سوريا

مركز أسبار للدرسات :

الكاتب : شورش درويش

لم يحظَ كرد سوريا بما هم جزء من »عالم كردي« مجزّأ في أربعة دول إقليمية هي العراق وإيران وتركيا وسوريا، بالاهتمام البالغ الذي حظيت به القضايا الكردية في بقية أجزاء كردستان«، مردّ الأمر أن شهرة بقيّة الأكراد جاءت على وقع الثورات والانتفاضات التي« خاضوها بالضد من الأنظمة الإقليمية، والعلاقات التي نسجوها مع قوى دوليّة وأخرى إقليمية، في حين أن طبيعة النضال السياسي الصرف لكرد سوريا خفّض الضوء عن دراسة أحوالهم في الإعلام والأبحاث التي تتناول المواضيع الإثنية.

إلى ذلك لخّص قوميون عرب نمّو التطلعات القومية الكردية السورية منذ بدايات تأسيس الدولة السورية في أنّ مسألة كرد سوريا لا ترقى لأن تصبح »قضيّة«، شأنها شأن القضية الكردية في تركيا وإيران والعراق ودائماً عبر شعارات أن الكرد السوريين ما هم إّ لا مجموعة عرقيّة مهاجرة استوطنت سوريا عبر موجات هجرة من تركيا الكمالية إلى سوريا الفرنسية )1945-1920(، أو أن الكرد ما هم إّ لا عرب أضاعوا أصولهم، معتمدين على مرويّات وسرديات تفتقر إلى المنهج العلمي ّ عند تناول السيرة الكاملة للوجود الكردي في العالم العثماني الذي غدا بفعل خطوط سايكس بيكو والتعديلات التي طرأت عليه دولاً جديدة، أخرجت الكرد من التاريخ، لمصلحة إدخال العرب والأتراك كدول وطنية منجزة في دورة التاريخ الجديدة للشرق الأدنى.

ثمّة انتماء كردي سوريّ لعالم كرديّ أوسع، وكردستان بتعبير أشمل، وهو عالم « متخيّل » وفقاً لنظرية (بندكت أندرسن) الجماعات المتخيّلة عزّز من هذا التخيّل غياب الهويّة الوطنية السوريّة أو التباسها في كثير الأحيان، وبكلمات أخرى « في ظل غياب » متخيل وطني جامع.

بدايات وعي الذات القوميّة

يمكن إرجاع بدايات الوعي القومي الكردي إلى المرحلة التي رافقت توافد كرد تركيا إلى سورياالمستحدثة وفق خرائط سايكس- بيكو والتعديلات التي طرأت عليها، في أعقاب انهيار الدولة العثمانية وتأسيس تركيا الأتاتوركية 1923، واتخاذ الحركة الكردية في المنفى« من سوريا منطلقاً لنشاطها السياسي، ومجمّعاً للنخبة القومية المجارية للنخب القومية التركية والمجايلة لها من حيث الفترة الزمنية التي أفرزت طبقات قوميّة عربية وأرمنية جديدة» إلى جوار التركية والكردية.

قاد النشاط »التبشيري القومي في أوساط كرد سوريا لفيف من اللاجئين إلى سوريا الفرنسية«، وكان معظمهم من أبناء طبقات« برجوازية كردية حظوا بفرص التعليم العالي، كحال آل جميل باشا الدياربكرلي، وآل بدرخان، لا سيّما الشقيقين جلادت وكاميران، وكذلك عائلات شكّلت متن البرجوازية العثمانية المتأخرة كآل إبراهيم باشا الملّ ، وحاجو آغا، وآل بوظان بك، إلى جوار شخصيات مثقّفة تنتمي للمتن العثماني المتأخر.

حظي معظم النشطاء القوميين على دعم فرنسي تواتر بين الدعم المحدود وبين غض النظر عن بعض الأنشطة التي تدعو إلى التنظيم العسكري وتشكيل جبهة إسناد للحركة المسلّحة في كردستان التركية، كما في حالة تبنّي جمعية خويبون -1927 1946، وهي أوّل جمعية كردية تدعو إلى تحرير كردستان »من آخر جندي تركي«، الدعم المفتوح لثورة آكري »آرارات 1930 بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا وتشكيل قوّة عسكرية حدّدت ساعة انطلاق موجة مسلحة بالضد من القوّات التركية في النقاط الحدودية، غير أن ،فرنسا أحبطت الجهود الكردية جنوب سكّة القطار ومردّ الأمر يعود إلى مسألتين حيويّتين ضبطت العلاقة التركية الفرنسة المضطربة، الأولى تعافي تركيا الضعيفة، ورغبة فرنسا في كسب صداقتها، والثانية كيا، ابتداء ً الاتفاقات الحدودية التي جاءت لصالح ترمن اتفاقية أنقرة 1921 التي دعت إلى نزع أسلحة العشائر الكردية جنوب الحدود التركية لعدم إزعاج تركيا.

تعود بداية استحداث مسألة كردية سورية إلى السياسة الفرنسية التي شجّعت الأقليات في الحكم الذاتي، حيث أججت صيغة الدويلات الطائفية والجهويّة التي اعتمدتها، ومنها مشاعر التمايز الكردي والمسيحي في الجزيرة السورية، إذ كان في صلب أحداث العصيان في الجزيرة (1936-1937) مسألة إقامة كيان كردي برأس مسيحي وحضور قَبليّ عربي في الجزيرة العليا بقيادة حاجو آغا 1937.

كما عزّز من التمايز الكردي والسرياني والأرمني في الجزيرة السياسة الجديدة التي اتبعتها الحكومة الوطنية المركزية مع تعيين الأمير بهجت الشهابي محافظاً على الجزيرة، وقيامه بتطهير الجهاز ،الإداري في المحافظة من الموظّفين السريان والأرمن و«تعريب الحكم«، واستبدال الموظّفين المحليين بآخرين حلبيين.

يمكن اعتبار هذه الأحداث بداية ًلتوجّه كردي جديد، يفترق عن التوجهات الكردية السابقة التي ركّزت على مركزية القضية الكردية في تركيا، ذلك أن »جمعية خويبون« كانت قد أكدت في مؤتمرها ببحمدون اللبنانية 1927 على ضرورة تأسيس »علاقات أخوية« مع حكومتي سوريا والعراق، والاكتفاء بالحقوق التي راعتها صكوك الانتداب الفرنسي .

ركّز القوميون الكرد جهودهم في اتجاه إنشاء روابط وأندية وجمعيات ذات طابع اجتماعي وتنويري وثقافي، مثل جمعية »التعاون ومساعدة الفقراء في الحسكة«، و«جمعية هيفي )الأمل(«، و«نادي الشباب الكرد في عامودا«، ولعلّ الجامع بين كل هذه التجمّعات المدنيّة هو اهتمامها في إرساء هويّة فرعية قومية في سوريا المستحدثة، إلّا أن الأنشطة القومية هذه حافظت على طابعها النخبوي الذي يفتقر القدرة على التوسّ ع الأفقي، فبقيت الحالة القومية مقتصرة على الفئات المتعلّمة وبعض رجال الدين وكبار الملّ ك، إلى أن أمّم الحزب الكردي الأول 1957 القومية والسياسة لتصبحا في متناول كرد سوريا بشكل عام، من دون اقتصارها على الطبقات الاجتماعية القديمة.


انطلاقة 1957 والحزب الأوّل

حتى العام 1956 لم يكن لدى كرد سوريا تنظيمهم السياسي الخاص، إذ تناهبتهم الأحزاب السورية كالحزب الشيوعي والأحزاب السورية وقتئذ، فيما آثرت قلّة قومية العيش على أطلال ما تبقّى من جمعية “خويبون“، بمعانٍ أخرى لم يكن لدى كرد ٍ سوريا إطار ناظم في ظل صعود القومية العربية بتعبيريها الناصريّ والبعثي، عدا أن الأحزاب الفاعلة ،على الساحة السورية لم تكن تدين بالولاء لسوريا.

ولم تسعَ إلى التأسيس لفكرة الوطنية الجامعة، بل إنها كانت عبارة عن أحزاب جهوية ما دون وطنية أو أحزاب فوق وطنية « أممية » ، وفي غمرة أجواء الحريات التي شهدتها سوريا قبيل الوحدة السورية المصرية )1961-1958( سعت شخصيات كردية إلى خوض غمار تجربة تشكيل أوّل حزب سياسي يمثل القوميين الكرد في سوريا، فتوصّل كل من أوصمان صبري، وعبدالحميد درويش، وحمزة نويران، في العام 1956 ، إلى صيغة مشتركة لتأسيس الحزب، لكنهم تريّثوا إلى حين انضمام أربعة شخصيات من كرداغ عفرين( وهم رشيد حمو ، وشوكت حنّان، و خليل محمد، ومحمد علي خوجة، بالإضافة للشيخ محمد عيسى ملا محمود)، ليصار إلى تأسيس الحزب، واعتبار يوم 14 حزيران 1957 يوم الميلاد الرسمي، وبعيدا عن الجدل الذي طاول اسم الحزب في البدايات سواء أكان « حزب الأكراد الديمقراطيين » ، أم « الحزب الديمقراطي الكردستاني » ، فقد عُرف الحزب باسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا«. حظي«الحزب ببرنامج سياسي ساهم في كتابته جلال طالباني موفد الملا مصطفى البارزاني إلى سوريا، بالإضافة إلى دور شخصيات من كرد إيران في دعم الحزب، مثل عبدالله اسحاقي، وعبد الرحمن ذبيحي، واختير نورالدين ظاظا رئيساً للحزب.

لاقى الحزب الترحيب والاهتمام الكرديين، فتقاطرت ،الانتسابات واتسع الحقل التنظيمي للحزب الوليد إلا أن معارضة الحزب لسياسة حكومة الوحدة 1961-1958( ، ورفضه حلّ نفسه أفضى إلى اعتقال(معظم قياداته عام 1960)، على إثر حملة أمنية واسعة، ومن داخل المعتقل بدأت الخلافات بين القطبين، أوصمان صبري، ونور الدين ظاظا، حول الأجوبة التي نطق بها الشخصان ردًا على أسئلة قاضي التحقيق العسكري، وحول ماهية الحزب، هل هو حزب أم جمعية، لتؤدي هذه الخلافات النظرية إلى انشقاق الحزب لأول مرة فيما بعد في 5 آب 1965، وليصار إلى تشكل اليسار واليمين الكردي.

وقعت مسائل تعريف الحزب ومهامه في صلب الخلافات الحزبية، من حيث تعريف الوجود الكردي فهل الكرد هم أقلّية قومية في سوريا أم شعب يعيش على أرضه التاريخية؟ وهل الحقوق القومية المشروعة« الواردة في برامج الأحزاب الكردية تعني حق تقرير المصير أم تعني الحقوق الثقافيّة واللغوية؟ وهل سوريا كيان منجز للعرب والكرد أم أن كردستان هي الوطن النهائي للكرد؟ هذه التساؤلات وغيرها مثّلت متن الخلاف النظري بين القوميين الكرد.

زاد من حدّة الاستقطاب الحزبي الكردي كمية الشعارات التعبوية، ومحاولة إثبات كل حزب تمثيله للشارع الكردي، وزاد في حالة الانقسام والتشظي ،الحزبي الدور الذي لعبته أجهزة المخابرات السورية بالإضافة إلى الدور الكردستاني المؤيد لفريق سياسي ضد آخر، وزاد كذلك من تعقيد المشهد الكردي ّ السوري عدم وضوح برامج الأحزاب في ما خص حدود القضية الكردية في سوريا، ذلك أن التوزّع ،الديمغرافي الكردي في ثلاث جيوب منفصلة )الجزيرة كوباني، كرداغ »عفرين« ( بالإضافة إلى عمق المناطق ذات الغالبية الكردية الضيّق، ووجود مناطق مختلطة إثنياً، مثل حال مدن رأس العين وتل أبيض ومدينتي الحسكة والقامشلي الكبيرتين نسبياً، هذه المسائل وسواها شكّلت عوائق فعلية في استنباط ،تجربة كردستان العراق، وكذلك كردستان الإيرانية وبالتالي جعلت هذه الوقائع المشهد الكردي السوري أكثر تعقيداً، وبقيت أسئلة لم تنل حظّها من الإجابة.

يمكن رسم خطّ بياني متصاعد لسياسات التمييز العرقي والاضطهاد القومي التي طاولت كرد سوريا ابتداءً من سنوات الوحدة السورية المصرية، ثم تصاعد السياسات التمييزية التي دشنتها حكومة الانفصال، وصولاً إلى عهد البعث المديد، وهناك مسألتان مفصليتان تحوّلتا إلى ما يمكن تسميته القضايا المركزية« ، التي شغلت المجتمع الكردي« وحركته الحزبية.

المسألة الأولى هي الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة بموجب المرسوم التشريعي رقم 93 والمؤرخ في 23 آب/أغسطس 1962 ، والذي جرّد الآلاف من المواطنين الكرد من الجنسية السورية، أما المسألة الثانية فهي مسار تغيير ديمغرافية المنطقة الكردية في الجزيرة ،»السورية، وتعبيرها الأشد مشروع »الحزام العربي الذي عَمِد إلى توطين عائلات عربية في المناطق ،الحدودية، بعد نزع ملكية الفلّاحين والمزارعين الكرد فضلاً عن سياسات التمييز في الوظائف وحرمان الكرد من الانضمام إلى الحقل الدبلوماسي وإلى الالتحاق بالكلّيات الحربية، وحرمان الكرد كذلك من التعبير عن هويتهم الفرعية الوطنية عبر حظر اللغة الكردية، وطمس الثقافة الكردية، وتعريب أسماء المدن والقرى الكردية، وبتعبير المفكّر التركي إسماعيل بيشيكجي مارست الحكومات المتعاقبة نوعاً من « الإبادة الثقافية » ، وإذا كنّا في إزاء سياسة شديدة السلطوية وبمركّب أمني- عسكري في الحالة السورية العامّة، فإنه والحال هذه كان على كرد ،سوريا مواجهة قمع واضطهاد مركّزين وبدرجة أكبر الأمر الذي أفضى إلى شعور كرد سوريا بمظلوميّة لا تقلّ مضاضة من مظلومية أقرانهم في تركيا والعراق وإيران، بفارق أن الحكومات السورية المتعاقبة .مارست الاضطهاد العرقي، لكن بقفّازات حريرية.

2004 القمع عارياً في الثاني عشر من آذار 2004 خلع النظام قفّازه الحريري الذي ميّز طريقة اضطهاده للكرد، فعلى وقع مشاجرة مفتعلة وعبارات تعج ّبخطاب الكراهية والسخرية من رموز كردستانيّة ردّدها جمهور »نادي الفتوّة«، القادم من دير الزور، أثناء لقائه مع »نادي الجهاد«، ممثّل مدينة القامشلي في دوري الدرجة الأولى، باشرت قوّات الأمن السورية إطلاق الرصاص الحيّ على عدد من جمهور نادي الجهاد«، وعلى إثر عميلة القتل المتعمّدة« تحوّلت حركة الاحتجاج العفويّة الغاضبة إلى ما.»بات يعرف في الأدبيات الكردية بـ “انتفاضة آذار” امتدت التظاهرات لتغطّي معظم مناطق تواجد ،الكرد في الشمال السوري، والأحياء الكردية في حلب والعاصمة دمشق، وبالغ النظام في القسوة ردّاً على الغضب الشعبي، لتزهق قوّات النظام أرواح أكثر عشرين مواطناً كردياً، ولتعتقل الآلاف، فضلاً عن جرح وإصابة العشرات.

لم يكن الحدث وليد الصدفة بقدر ما كان مدبّراً، ذلك أن النظام السوري أصابه الارتياب من الاحتلال الأمريكي للعراق والإطاحة بحكم البعث فيها، و في الغالب كان لخطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن فيما خصّ الأنظمة»المجاورة للعراق التي ستسقط »كأحجار الدومينو وقعه المؤلم على البعث السوري، الذي حاول اتخاذ خطوات استباقيّة، من خلال تقوية مركز الإسلام الجهادي في سوريا، ومدّه بالدعم اللوجستي من وإلى العراق، والأهم هو ضرب »النويّات« الأهلية التي من الممكن أن تعتمد عليها الولايات المتحدة حالما فكّرت في توجيه ضربة للنظام السوري، لذا يمكن وصف التعامل مع الملف الكردي بأنه مثّل ضربة استباقيّة محدّدة في الزمان والمكان.

وفي ظل حالات الانقسام الوطني، « وضعف، تأثير المعارضة، وأفول نجم مرحلة » ربيع دمشق لم تشهد أحداث آذار 2004 تسجيل حالات تضامن وطني، خلا بعض الأصوات المعارضة، الأمر الذي عزّز انكفاء الكرد بشكل أوسع، وهذا ما قد يفسر التردد الكردي مطلع الانتفاضة السورية 2011، والتأكيد على الحقوق القومية، كشرط أوّلي للانخراط في أي .»عمل من شأنه المساهمة في »إسقاط النظام.

بداية أخرى مختلفة

مع انطلاق الاحتجاجات 2011 سارع كرد سوريا إلى البحث عن إطار سياسي جامع ليتكلّل الأمر بتشكيل«لمجلس الوطني الكردي« في 26 أكتوبر/تشرين »الأوّل 2011 ، بغياب »حزب الاتحاد الديمقراطي الذي رفض الانضواء في المجلس، لإصراره ، )PYD( على نيل مقاعد إضافية، بذريعة وجوب اشراك،« المؤسسات المتفرّعة عن الحزب، مثل »اتحاد ستار.»و«منظمة عوائل الشهداء جمع »المجلس الوطني« إلى جانب الأحزاب السياسية التنسيقيّات الكردية وبعض المستقلّين، لكن سرعان ما تكشّف الانقسام الكردي بشكل حاد في ظل « تنامي قوّة »حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي عمل تحت مظلّة »حركة المجتمع الديمقراطي فشهدت المناطق الكردية تظاهرتين ،)TEV-DEM( مطلع كل يوم جمعة، في الأثناء كان المجلس يتبّنى الشعارات التي تطرحها التظاهرات السورية ويوشّحها بخطاب الخصوصية الكردي، حيث تبنّى »المجلس مشروع »الفدرالية لكردستان سوريا ،مجسّداً بذلك مقاربة لحالة إقليم كردستان العراق ،من دون الوقوف على الاختلافات بين المنطقتين.

وفي ظل رفض سوريّ كبير لفكرة الفدرلة أقلّه قبل إسقاط النظام«، كذلك تبنّت الأحزاب الكردية هذا« الشعار الذي لم يكن موجوداً في أدبيات جلّ الأحزاب الكردية قبل 2011، في الوقت الذي طرح »حزب الاتحاد الديمقراطي« عبر أذرعه التعبوية والإعلامية خطاب الخصوصية بشكل أفصح من خلال رفع أعلام وشعارات متمايزة عّما كانت تشهده البلاد في احتجاجاتها، علاوة عن ضخ الكثير من المفاهيم والألفاظ الجديدة على اللغة السياسية الكردية ،السورية، مثل خطاب النسويّة، والنضال الإيكولوجي ونمط الرئاسات المشتركة للحزب والهيئات المتفرعة عنه، وتبنّي تسمية روج آفاي كردستان غرب كردستان للمناطق الكردية السوريّة، في إشارة إلى وحدة الجغرافيا الكردستانية.

وبطبيعة الحال جاءت مفردات الحزب وخطّه الإيديولوجي نسخةً منقّحة ومزيدة عن إيديولوجية عبد الله أوجلان الأخيرة التي رتّبها في سجنه بجزيرة إمرالي زاد الشقاق الكردي رغم رعاية إقليم كردستان العراق لمشاريع تهدف إلى العمل المشترك بين الكيانين الكرديين، عبر سلسلة اتفاقات، ابتداءً من لقاءات هولير 1و2 ودهوك، بيد أنها باءت جميعها ،بالفشل، الأمر الذي زاد من حدّة الاستقطاب الكردي ففي الوقت الذي انضوى فيه »المجلس الوطمي الكردي« تحت لواء »الائتلاف الوطني«، وفق اتفاقية أغفلت مسألة »الفدرالية« التي اعتبرها المجلس درّة تاج عمله السياسي، سارع »حزب الاتحاد /الديمقراطي« إلى إعلان إدارته الذاتية في 23 نوفمبر تشرين الثاني 2013 بشكل منفرد، والتي عمل على أن يجعل منها تجربة أمر واقع، أسوةً بتجارب كردستانية في إيران والعراق، وفي الوقت الذي بقي المجلس الكردي أقرب إلى التجمّع القومي الحصري لكرد سوريا، حيث لا مكان في منصّ ته للفعاليات ،الاجتماعية والسياسية العربية والسريانية – الآشورية سعى « الاتحاد الديمقراطي« إلى تشييد نمط استيعابي يضم العرب والسريان- آشوريين إلى صفوف تشكيلاته السياسيّة والإدارية.

ازدادت أسهم « الاتحاد الديمقراطي « مع زحف المعارك إلى المناطق الكردية، فخلال المعارك التي شهدتها رأس العين_ سرى كانيه 2012 انتزعت وحدات حماية الشعب« المدينة من يد فصائل الجيش الحر«، و«جبهة النصرة«، الأمر الذي زاد« من حضور الحزب، وأثبت جدوى فكرة أن يكون لدى كرد سوريا ذراع عسكري مركزي، ثمّ مع بروز تنظيم الدولة الإسلامية« )داعش( الإرهابي، وزحفه« نحو مدينة كوباني الكردية، وما استتبعه الأمر من تشبيك كردي مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم مع »التحالف الدولي المناهض لداعش«، حظيت القوّات الكردية بسمعة دولية، بيد أن الحرب على داعش« أفضت إلى توسّ ع كردي في المناطق ذات« الكثافة السكانية العربية، الأمر الذي دفع »الاتحاد الديمقراطي«، و«الوحدات الكردية« التي غدا اسمها قوّات سوريا الديمقراطية« )قسد(، إلى تغيير تسمية« المنطقة، بشكل يوحي بانتهاج سياسات الاستيعاب بدل الانكفاء في المنطقة الكردية الضيّقة، وبتتبع بسيط يمكن رصد التحوّلات البراغماتية بصدد التعديلات الاسمية لمناطق السيطرة، فالبداية كانت روجافايي كردستان، ثم روج آفا، ولاحقاً شمال .سوريا، فشرق الفرات في هذه الغضون.

خاتمة

لا يمكن في خضم التغيّرات المتسارعة التي فرضتها الحرب السورية سوى القول بأن أحوال كرد سوريا تبدّلت بشكل لا يشبه الحالة الرتيبة التي طبعت ،أحوالهم وواقعهم منذ تأسيس الكيان السوري لكنه واقع مفتوح على احتمالات تنوس بين حلم الكيانية الكردية في ظل سوريا جديدة، والاعتراف بالوجود والثقافة الكرديتين، وبين عودة الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه قبل 2011، ذلك أن العامل الإقليمي ودور تركيا الجاد في ملاحقة مشاريع الكرد ،خارج حدودها، وحالة الانقسام السياسي الكردي وإمكانية عودة سيطرة النظام التدريجية، وعدم وضوح المشروع الكردي السوري، والهجرة والنزوح ،اللذين ضربا المناطق الكردية، لا سيّما في عفرين ، وتباعد المناطق الكردية الرئيسية الثلاث الجزيرة « كوباني، كرداغ ،عفرين »، هذه الأمور مجتمعة تشكّل تحدّيات جدّية ومتواصلة، خاصّة وأن صياغة مشروع يؤطّر الحقوق والمطالب الكردية بات ،متعذّراً، في ظل تعطّل مسار الانتقال الديمقراطي فضلاً عن انتهاج القوى السياسية الكردية سياسات ،ًشعبوية، سياسات تقول كل شيء ولا تقول شيئا ،بغية استقطاب الشارع، عبر ضخ الخطاب القومي غير المجسّد في برامج سياسية، بالإضافة إلى المشاريع التجريبية التي تخوضها هذه القوى وفقاً للظروف الآنية.

هذه الأمور وسواها تجعل من المتعذّر رسم حدود واضحة للقضيّة الكردية في سوريا، التي بدت أوضح في مراحل سابقة، حيث النضال من أجل سوريا ديمقراطية، والاعتراف الدستوري بالكرد، والمساواة والحقوق الثقافية واللغوية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى