أكاديميادراسات

انهيار الليرة السورية: من المسؤول وهل من مخرج قريب؟


أسبار-وحدة تحليل السياسات:

مقدمة:

تراجعت الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي وباقي العملات بشكل سريع، وقارب سعر صرفها أمام الدولار حوالي الألف لكل دولار، قبل أن يعود سعر صرفها إلى حدود 825 ليرة لكل دولار، وبذلك تكون الليرة السورية قد فقدت حوالي 30% من قيمتها منذ نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، مع إصرار البنك المركزي في سوريا على إنكار الواقع المالي المتردّي، حيث أنه عزا، في بيان له، تراجع سعر صرف الليرة إلى المضاربات المالية في السوق، من دون أي إشارة إلى عوامل أخرى. بل في تجاهل تام للأوضاع المالية غير المسبقة، وأثرها على السوق والمواطن السوري.

الأسباب المباشرة:

خلال السنوات الماضية، هرب النظام السوري من تأثيرات العقوبات الأمريكية والغربية المفروضة عليه من خلال الاعتماد على المصارف اللبنانية، وكذلك على شركات الاستيراد والتصدير في لبنان، وبعضها تعود ملكيتها إلى رجال أعمال سوريين مقربين من النظام الحاكم، في محاولة منه لمنع العملة السورية من التدهور السريع ما أمكن، للمحافظة على أوضاع معيشية مقبولة في المناطق الخاضعة لسيطرته، وتأمين احتياجات السوق المحلية من السلع المستوردة.

اعتمد النظام السوري، في تجنّب الأسوأ في أزمته الاقتصادية والمالية، على العلاقات التاريخية بين التجار السوريين واللبنانيين، والتي تستند إلى دعم سياسي من قبل النظام السوري من جهة، ومن قبل “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” من جهة أخرى، بالإضافة إلى عدد غير قليل من السياسيين اللبنانيين الذين يدورن في فلك النظام السوري منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وقد بقيت هذه الآلية قائمة إلى وقت قريب، لكن عدداً من العوامل المباشرة أسهمت في دفعها نحو التباطؤ الشديد، ومن تلك العوامل:

1- أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية بنك “جمال ترست” اللبناني وثلاث شركات تابعة له، وهي “ترست للتأمين”، و”ترست للتأمين على الحياة”، وترست لخدمات التأمين” على لائحة الإرهاب، وهي لائحة تخضع للمراقبة من قبل مكتب مراقبة الأصول الخارجية “أوفاك”، وتمّ إدراج البنك بناءً على اتهامه ب “توفير خدمات مالية ومصرفية لحزب الله”، وهي مؤسسات مدرجة سابقاً على لائحة الإرهاب، مثل مؤسسة “القرض الحَسَن”، و”مؤسسة الشهيد”، و”المجلس التنفيذي للحزب”.
2- إعلان وكالة التصنيف الائتماني الأمريكية الدولية “موديز” عن تخفيض تصنيف الودائع بالعملة المحلية اللبنانية لدى بنوك “عوده” و”بلوم” و”بيبلوس” من Caa1 إلى Caa2. كما أشارت الوكالة إلى ضعف الدعم السيادي للودائع المالية.
3- أزمة المصارف اللبنانية، وانطلاق ثورة شعبية في لبنان تطالب برحيل الطبقة السياسية بأكملها، شكّل ضغطاً كبيراً على النظام المصرفي اللبناني برمّته، كما أعاد إلى الواجهة ملفّات وقضايا كبرى، منها قضايا فساد الطبقة السياسية، وآليات نهب الاقتصاد اللبناني، ومنها آليات الإقراض للبنوك، والتي تقدّم من خلالها فوائد كبرى لشركات تدار من خلال أشخاص ينتمون إلى الطبقة السياسية.
4- أصدرت المصارف اللبنانية قرارات تتعلّق بالحدّ من السحوبات اليومية للمودعين، وهو ما ترافق مع تراجع الليرة اللبنانية أمام العملات الأجنبية، على الرغم من أن اتباع هذه الآلية كان المأمول منه منع الليرة من خسارة جزء كبير من قيمتها في وقت قصير.
5- إن معظم رجال الأعمال السوريين الذين يديرون أعمالهم في دمشق بشكل خاص، لديهم ودائع مالية كبيرة في المصارف اللبنانية، وقد تأثّرت بشكل مباشر بتبعات أزمة المصارف اللبنانية، وبالتالي فإن المعروض بالدولار في سوريا أصبح قليلاً قياساً لاحتياجات السوق، مع ارتفاع حدّة المخاوف لدى هؤلاء التجار من فقدان ودائعهم، نظراً للغموض والاضطراب في النظام المصرفي اللبناني.
6- تراجع الاستيراد في لبنان نتيجة للأزمة المالية أثّر بشكل مباشر على الاستيراد في سوريا عبر لبنان، وزاد أسعار البضائع المستوردة بشكل غير مسبوق.

الأسباب غير المباشرة:

تنقسم الأسباب المباشرة إلى أسباب قريبة وأسباب ذات صلة بنتائج الحرب السورية، والتي تكشّفت بشكل كبير مع ما أسماه “النظام السوري” ب “الانتصار على الإرهاب”، وهو ما يؤكد على ما ذهبنا إليه سابقاً في عدد من أوراقنا البحثية، وهو أن الانتصار العسكري سيكون له أثمان باهظة، خصوصاً في المجالين الاقتصادي والمالي.
الأسباب القريبة:

1- اتخاذ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوات تصعيدية ضد إيران، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وتضييق الخناق على صادرات إيران النفطية، في إطار تصفير صادرات النفط.
2- فشل إيران في الالتفاف على الضغوط الأمريكية، نتيجة للالتزام الأوروبيين بالعقوبات الأمريكية، وقد كانت إيران تعول على اتفاق بينها وبين الأوروبيين على آليات مالية، من شأنها تخفيف العقوبات الأمريكية.
3- هذه المرّة، لم تعد العقوبات الأمريكية تطال إيران فقط، بل ذهبت الولايات المتحدة خطوة أبعد، في محاصرة الجهات التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات، أو الأذرع المالية لجهات تابعة لإيران، كما في حالة “حزب الله” اللبناني، ووضع المؤسسات التابعة له على لوائح الإرهاب.
4- الآليات الجديدة التي اتبعتها إدارة ترامب، في جزء مهم منها، هي لتحجيم الانتصار الروسي في سوريا، حيث أن تعويم روسيا للنظام السوري عسكرياً وسياسياً سيقابله انهيار مالي واقتصادي.

الأسباب العميقة:

1- اضطر النظام السوري، ممثّلاً برئيسه، والنخبة المالية المقرّبة منه، التكيّف مع التحولات التي حدثت بعد 2011، عبر آليات عديدة، فقد أولى النظام المسألتين الأمنية والعسكرية الاهتمام الأكبر، على حساب المسألة الاقتصادية، وهو ما أحدث تغييرات كبيرة في طبيعة البنى الاقتصادية والتجارية والمالية التي كانت سوريا تستند إليها في تسيير شؤونها الاقتصادية.
2- صعدت فئات جديدة إلى الواجهة المالية في سوريا، لا تنتمي إلى الحقول الاقتصادية المنتجة، وهي مجموعة من الأشخاص الذين قاموا بأدوار أمنية وعسكرية مساندة للنظام، وتُركت لهم حرية الاستفادة من بيئة الحرب، وإدارة أنشطة غير مشروعة، بما فيها عمليات الاستيراد، خارج النظام الضريبي السوري، ومن دون أن تدخل بضائعهم المستوردة إلى المنافذ الجمركية.
3- أودع معظم رجال الأعمال السوريين قسماً كبيراً من أموالهم في مصارف خارج سوريا، خصوصاً في المصارف اللبنانية، معتمدين على ما يجنوه من فوائد، وقد حرموا السوق السورية من السيولة المالية.
4- فشل معظم الإجراءات التي اتخذها النظام في محاربة الفساد، فقد أصبح الفساد منظومة متكاملة، لا يمكن مكافحتها، لانخراط جميع المشاركين في السلطة في الأنشطة الفاسدة.
5- القسم الأكبر من تحويلات السوريين في الخارج تذهب إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وحتى تلك التي تذهب إلى مناطق سيطرته تتم عبر مكاتب صرافة وشركات خاصة، في إطار منظومة الفساد، من دون دفع ضرائب لخزينة الدولة.
6- توقف أو ضعف معظم الأنشطة التي كانت تولّد أرباحاً وعائدات بالعملات الأجنبية، خاصّة قطاع التصدير.

هل من مخرج قريب؟

حاول النظام السوري خلال العام الجاري القيام ببعض الإجراءات الإسعافية لتجنّب انهيار الليرة، من مثل الضغط على كبار التجّار أو أصحاب رؤوس الأموال لوضع قسم من أموالهم بالدولار في البنك المركزي، أو تحجيم بعض الأذرع التي كانت مفيدة له في مرحلة سابقة، وتقييد أنشطتها، أو ضخ قسم من الاحتياطي النقدي في السوق، لكن كل تلك الإجراءات بقيت ذات أثر محدود في معالجة أزمة السيولة المالية بالعملات الصعبة.

الإجراءات المتخذة ضد المصارف اللبنانية لن تشهد أي تغييرات عليها في المدى المنظور، وهي ستبقى قائمة، فالأوضاع السياسية والاقتصادية في لبنان غير مرجّحة للتحسّن، بل قابلة للذهاب نحو الأسوأ، وهو ما يعني أن التصنيف الائتماني للمصارف اللبنانية قد ينخفض، وفي أفضل الأحوال قد يراوح في مكانه، وستزداد آثار هذا الأمر على الأوضاع الاقتصادية في سوريا، خصوصاً في مجال الاستيراد، حيث أن سوريا تستورد المواد الأساسية من الخارج، وليس الكماليات.

الحالة الراهنة، وبشكل طبيعي، ستؤدي إلى مزيد من المخاوف لدى رجال الأعمال السوريين، وستدفعهم إلى تهريب مدخراتهم نحو الخارج، أو تقييد أنشطتهم التجارية والمالية.

مزيد من التدهور:

ما زال الإنكار سيّد الموقف لدى النظام السوري، رافضاً أن يعترف بعمق الأزمة الاقتصادية والمالية التي تكشّفت بعد ما أسماه ب “انتصاره العسكري” على الإرهابيين، كما أنه يدرك تماماً بأن المخرج الوحيد هو ضخ سيولة مالية من مدخراته في السوق، لكن هذه الآلية لحماية العملة الوطنية ستؤدي إلى استنزافه مالياً، وهي النتيجة التي لا يريد الوصول إليها، لأنها ستكون بمثابة انهيار لنفوذه السياسي.

ومن وجهة نظرنا، ستبقى حالة التدهور مستمرة، وسترافقها آليات إسعافية في كلّ مرة من أجل الحدّ من آثارها، بما فيها التلاعب بصعود وهبوط قيمة العملة، كأن يترك النظام لليرة أن تنهار إلى مستوى معين/ مرعب، ثمّ يتدخل لإرجاعها إلى مستوى أقل، لكنه أعلى من السابق، لكن هذه الآلية أصبحت معروفة للجميع، بل أنها تزيد من مخاوف الجميع، من تجار وأصحاب رؤوس أموال وحتى المواطن العادي.

خلاصة:

كان النظام السوري يعوّل على أن تكون الانتصارات العسكرية مقدمة لفتح باب إعادة الإعمار، مع وصول الدول الإقليمية وأوروبا إلى قناعة بعدم إمكانية تغيير النظام، وبالتالي التعامل معه، وإعادة تعويمه، والمساعدة في إعادة إعمار البنى التحتية، وهو ما يعني ضخ مليارات الدولارات في السوق السورية، لكن هذا الأمر لم يحدث، ولن يحدث، فالمطلوب هو تحوّلات نوعية في بنية النظام السياسي، وهو ما يرفض النظام القيام به.
المرحلة المقبلة، على المديين الحالي والمتوسط، ستكون أكثر سوءاً بالنسبة للسوريين، خصوصاً المواطنين المتواجدين في مناطق سيطرة النظام، فمع تراجع قيمة العملة الوطنية، سيزداد التضخم إلى نسب غير مسبوقة، مع انعدام القدرة الشرائية لدى معظم الشرائح السورية.

المادة الأصلية: مركز أسبار للأبحاث والدراسات

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى