قلم توكموزاييك

سليماني ـ بداية انفجار قادم؟

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

بسام البني

اغتيال قاسم سليماني في بغداد ليس حدثاً مثيراً للاهتمام بحد ذاته، ولا حتى كيف سترد إيران، وليس لأنه قد يتسبب في تصعيد عسكري خطير في الشرق الأوسط.

في الواقع تفتح هذه العملية حقبة حرب نوعية جديدة، فلم يسبق أن قتل أحد قادة دولة كبيرة على يد إرهابيين وحسب، فما بالك إن جاء ذلك من قبل دولة أخرى، على أراضي دولة ثالثة.

نعم استخدمت الدول التصفيات الشخصية، وعلى سبيل المثال قضت روسيا على دوداييف وبسايف وخطاب وغيرهم… كما أن إسرائيل استخدمت التصفية الشخصية مرات عديدة للقضاء على من تعتبرهم أعداءها.

لكن حتى الآن، لم تقتل أي دولة معترف بها دولياً (أمريكا) قادة دولة أخرى معترف بها أيضاً (إيران) على أراضي دولة ثالثة معترف بها ومن المفترض أنها تتمتع بسيادة (العراق)، على الرغم من أن الدولتين الأولى والثانية ليستا في حالة حرب معلنة.

لفهم العواقب المحتملة لهذا الحدث، يكفي أن نتخيل قتل بولتون الأمريكي بصاروخ من قبل كوريا الشمالية، أو حتى ترامب، خلال زيارته للكويت أو الإمارات على سبيل المثال!

لو كانت أمريكا تقدر عواقب العملية لكانت قد نفذتها تحت علم مزيف أو بأيدي أدوات تابعة لها، وتنفيذ العملية بهذه الطريقة لا يمكن أن يفهم سوى بأنه إعلان حرب.

والملفت في هذه الحادثة هو الإعلان الرسمي غير المباشر عن أنواع جديدة من الأسلحة المتطورة تكنولوجياً لاستهداف شخصيات رفيعة المستوى، وتكتسب هذه الأسلحة يوماً بعد يوم أشكالاً وأهمية ملموسة.

تصفية اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، المنظم الرئيسي ورئيس التوسع العسكري والسياسي الإيراني خارج البلاد، ومقتل مسؤولين رفيعي المستوى في حزب الله معه، جاء ردًا على هجمات الشيعة المحليين على السفارة الأمريكية في بغداد، وهذه الخطوة غير المسبوقة للرئيس ترامب، كانت كما وصفها منافس ترامب بقوله أن العملية كمن ألقى إصبعاً من الديناميت في برميل مليء بالبارود.

هل يدرك ترامب أنه بدأ حرباً مع إيران؟ ربما نعم. حيث لم يقتل العجوز بن لادن كما فعل أوباما، بل شخصاً ذو أهمية حقيقية، يمتلك موارد هائلة للتخريب العسكري.

يذهب المحللون السياسيون المقربون من الكرملين في روسيا إلى الاعتقاد بأن ترامب في أمريكا اليوم أشبه بغورباتشوف الاتحاد السوفيتي في ثمانينات القرن الماضي الذي أدت سياساته لانهيار الاتحاد السوفيتي، قد يكون هذا الأمر مضحكاً ولكن يمكن حدوثه.

احتمالات الرد الإيراني:

أولاً: يمكن أن تضرب إسرائيل، فإيران مقتنعة أن الصهيونية تقود أمريكا أو أمريكا تقود إسرائيل وبذلك قد تضرب إيران إسرائيل حتى يخاف الأمريكيون وهذه القناعة الإيرانية لا تتعارض مع المعيار القياسي للإيديولوجية المحلية.

ولهذا لديهم أدوات مشبعة بالصواريخ في لبنان وغزة، وهناك عدد كاف من المسلحين، وهناك تجارب أيضاً لا يمكن تجاهلها، والمهم هنا ما إذا كان حزب الله اللبناني والجهاد الإسلامي الفلسطيني، اللذين لديهما خبرة في الحروب مع إسرائيل، قد يقومان بذلك من أجل المصالح الإيرانية، وهل يريدان التصعيد أم لا؟، وهل سيخاطران بكل شيء؟ وهل سيمنحون إسرائيل الحجج لضربة انتقامية ساحقة؟ وهما يدركان كيف تنتهي هذه الحروب.

ثانياً: ضرب المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية. وقد تضرب الإمارات إن اندلعت حرب على محمل الجد. على الرغم من استبعاد هذا الاحتمال الأخير. فميناء دبي مهم لنقل البضائع إلى إيران، لكن صناعة النفط السعودية ستتعرض لخطر كبير، فهناك مصالح أمريكية هائلة هناك، ويدل على ذلك ارتفاع أسعار النفط مباشرة بعد عملية الاغتيال.

إسرائيل يمكن أن تضرب ضربات انتقامية، ليس ضدهما فحسب، بل ضد الإيرانيين أيضًا، وبشكل مباشر.

ولا ننسى أن محطات تحلية المياه في المملكة، ليست محمية حقًا من الهجمات الصاروخية، ويمكن مهاجمتها في أي وقت عندما يتم اتخاذ قرار بشأن ذلك في طهران. وإذا استطعت العيش بدون نفط، فبدون ماء الأمر أصعب.

ثالثاً: استهداف مضيق باب المندب (من اليمن) ومضيق هرمز (في حالة نشوب حرب كبيرة). بتعبير أدق، إن السفن التي تسير على طول المضيقين هي في المقام الأول سفن أمريكية.

رابعاً واخيراً: استهداف أراضي الولايات المتحدة نفسها، والجيش الأمريكي في الخارج (والذي أصبح الآن هدفًا مشروعًا بالمفهوم الايراني) والمصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مكاتب الشركات والمصانع والبعثات الدبلوماسية.

الأهداف الأولى التي تقع ضمن هذه التهديدات في أفغانستان والعراق. والأهداف الثانوية في سوريا ولبنان وبقية العالم، بما في ذلك أمريكا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث يتمتع الإيرانيون ببعض النفوذ. ولا ننسى ما حدث في التسعينيات في الأرجنتين، حين فجر الإيرانيون سفارة إسرائيل والمركز الثقافي التابع لها وهي الحليف الأول لأمريكا.

وأيضا، هناك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، حيث إيران تستطيع دعم عمليات إرهابية هناك، على الرغم من أن توجيه ضربة إلى الولايات المتحدة يعني توجيه ضربة انتقامية ضد إيران، كما كان الأمر إثر هجمات 11 سبتمبر واستهداف الدول التي أعلن بوش حينها أنها مذنبة بهذا العمل الوحشي.

من المؤكد أن طهران ستوفر هذه الورقة الرابحة حتى تهاجم واشنطن أراضي إيران نفسها. وهنا بالفعل سيتم تذكر “الحادي عشر من سبتمبر” كماض قديم جيد.

لن تهاجم إيران في أوروبا والشرق الأقصى، فالعلاقات مع الأوروبيين وبكين وطوكيو وسيول وموسكو ذات أهمية لهم، لكن يمكننا القول وبكل تأكيد وداعًا لعدم الانتشار النووي في الوقت الحالي، سواء أعلنت إيران ذلك أم لا، ستبدأ في صنع القنبلة الذرية بوتيرة أسرع بعشرة مرات.

علاوة على ذلك، ترك ترامب للصفقة النووية بشكل أحادي الجانب، سيجعله هو المسؤول عن كل شيء قد يحدث وقد يدفع ثمنه في الانتخابات المقبلة البرلمانية والرئاسية، وكنتيجة لعملية الاغتيال تم ضمان فوز المحافظين المتطرفين في إيران. وأولئك الذين سوف يعارضون النظام الإيراني الآن بسبب ارتفاع أسعار الغاز أو البنزين او لأي سبب آخر سيتم اسكاتهم دون أي معاناة.

وأخيرا، فإن سعر النفط مرة أخرى لديه كل الفرص للارتفاع، وحقيقة لابد من ذكرها هنا أن أمريكا وحلفاؤها سينشغلون في إيران وهذا سيصرف انتباههم عن روسيا والصين، وعلى الرغم من أن الوضع الحالي ينطوي على الكثير من المخاطر للجميع، فإنه لن يضيف إلا السعادة إلى وزارة الخارجية ووزارة الدفاع في روسيا والصين، ولا يبقى لروسيا والصين بعد التحذيرات العديدة لأمريكا حول سياساتها الرعناء غير المسؤولة إلا اتباع المثل الصيني القديم القائل: “عندما يتقاتل نمران في الوادي اجلس على الجبل وراقبهما”.

هل اتخذ ترامب قرارًا بقتل السليماني؟ نعم، ترامب شخصيا. ولحسن حظ روسيا أن إيران ليست أخا أو ابن عم لها، إيران مجرد شريك الموقف في سوريا، وفي بعض المواقف الأخرى المتعلقة بالسياسة الخارجية لروسيا لا أكثر، وتأتي إيران بوجع الرأس لروسيا بسبب محاولاتها الدائمة لاستخدام جسر آخر في سوريا لتهديد إسرائيل، والعمليات الانتقامية للإسرائيليين ضد الإيرانيين في سوريا أمر يضيف لروسيا مشكلة إضافية في سوريا هي بغنى عنها.

إلى أين تتجه المنطقة؟؟ لن يكون هناك هدوء وملل، هذا أكيد. الأحداث ستتلاحق تباعاً.

احتمالات الرد الإيراني معروفة، وإذا كانت إيران في السابق تحاول أان لا تتبنى هجمات ضد المصالح الامريكية في المنطقة، فبعد مقتل سليماني وبهذه الطريقة لن تستطيع أن تبتلع الإهانة. وإذا أرادت غسل ماء وجهها ليس أمامها خيار سوى الرد، سواء بشكل مباشر أو عن طريق حلفائها في المنطقة، وعندها لا بد لها من تبني الهجمات، أما ترامب فقد قام بخطوته ووضع حلفاءه في المنطقة تحت خطر المواجهة المباشرة مع إيران وليس لديه خيارات كثيرة إذا ما ردت إيران.

في المستقبل المنظور ستشهد المنطقة معارك وتغيرات لا أحد يعلم إلى أين ستوصل المنطقة، فاللعبة بدأت بشكل عالي المستوى وبالتالي ستكون الخطوات المحتملة كبيرة والرهانات أكبر وأعلى مستوى.

ما أشبه اليوم بالماضي فحادثة اغتيال ولي عهد النمسا (فرانز فرديناند) مع زوجته في 28 حزيران عام 1914 أثناء زيارتهما لسراييفو من قبل طالب صربي يدعى (غافريلو برينسيب) كان السبب المباشر لنشوب الحرب العالمية الأولى.

فهل نستطيع القول أن بغداد اليوم هي سراييفو وقاسم سليماني ولي عهد النمسا وترامب هو الطالب الصربي في عام 2020؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى