السلايد الرئيسيحصاد اليومقلم توك

قيصرية من الخاصرة

لم تنتهِ الحرب بعد، ماتزال صور الضحايا تعلّق. ملامح أطفال المخيمات الباكية تتصدّر المراتب العالمية الأولى للجوائز الإبداعية. ماتزال صور الجلادين المبتسمة في المباني الحكومية على حالها تحت ظل النشيد والعلم الوطني في بلاد ذات حدود غير واضحة ترسمها وتمحيها طبيعة الاحتلال. بلاد تسجن الحرية لتحبس الطلقاء خارج جدرانها على عتبات الأفران وطوابير الناس تراقب مرور النهار بانتظار خبزهم اليومي.

ماتزال كابلات مولدات الكهرباء تعلو بعضها فوق بعض كأخطبوط يكاد يلفُّ الأفق، وتُلبس المدينة رداء أسوداً شفافاً بدخانها؛ فوق كل هذا تفرض واشنطن عقوبات اقتصادية على حكومة سوريا لارتكابها جرائم حرب، بتوقيع رسمي من لقمة عيش الجائعين.

يطلُّ شبح بزيّ قيصر ، وهيئة قانون بإسم قانون “قيصر” لحماية المدنيين، تحضن لتخنق، على كمه الأيسر آثار دم لا لون له، يظهر على الناس فجأة يغير أسعار العملات لأعلى المستويات دون قانون، لينال سلطة الخوف يوماً بعد يوم.

يبقى الجميع في حالة ترقب الآتي ويتقبلونه مهما كان منافياً للظروف المادية، الأسواق تكتظُّ بالوجوه المرتبكة، يتسوقون مثقلين بحيرة حسابات نقودهم لا تتناسب مع شراء ما سيأكلون ويلبسون لارتفاع الدولار.

عقوبات تشمل البنية التحتية والوحوش التي تحتسي النفط والغاز الطبيعي نخب انتصاراتهم، تشمل الطائرات التي حولت بلادنا إلى قطع من الآجرّ، وشوارع ذات يافطات ضاعت عناوينها في الردم والنسيان. عقوبات على دعم الميليشيات المدعومة من ايران وروسيا وأسلحتهم التي جعلت أزقتنا متاحف تُروى قصصها على صفحات الموت. عقوبات فُرضت من دول اجتاحت بلادنا من كل حدب وصوب، بملامح مرتجلة، تظهر بصورة محررين غير آبهين كم من الأقوام أفنوا، طغاة بهيئة حكّام يتهمون الحمام بالتجسس والدمى ذات الفساتين السابغة بالإرهاب.

عقوبات يرعاها ترامب، كساحر يبهر الناس ويخترق الترقب بنصوص القانون، فهذا رزقه. تتدهور الليرة السورية وينتعش الحرمان، أثرياء يطعمون الحكام خبز الفقراء حتى لا يأكلوا بعضهم بعضاً فتضيع مكانتهم، تجار يرفعون الأسعار بشكل زائد عن حده، ليتعاد الجميع شدّته ويعتادوا الأسوأ، يرتفع ثمن بضائعهم أكثر كلما صغرت لقمة الفقراء وضاقت قبضة مخالب السلطة على أعناقهم.

بائعون يتعاملون مع ما يملي عليهم غموض ارتفاع وهبوط سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار دون بيع وشراء. أسواق تعج بجيئة وذهاب الناس بأياد فارغة، تتشابه ملامحهم بدهشة الغلاء المستمر بين كل ساعة وأخرى. متسوّقون عاجزون أمام التضخم المستمر وتدهور الليرة السورية، كشبح يدور في كل مكان، ينهش عيون الأطفال المحدقة في الألعاب الباهظة الثمن، والموظف العاجز عن شراء حبات الفاكهة. أشباح تشلُّ أصابع الأمهات الثكالى والأرامل كلما سألن الباعة ثمن شيء بإيماءات مستضعفة.

هل اجتمع عنف الأزمنة في أيامنا، بعجافها، وجنون حكامها، وهيبة عملتها النقدية؟

أيام بصورة قشة، عبثاً نحاول التعلق بها لنبقى على قيد الحياة.

أي قانون هذا يجعل العائدين من التسوق كالناجين من الجوع، على حافة سوء التغذية، أي عدالة هذه تعاقب الفقراء بعد تسريب صور لضحايا التعذيب في السجون، إنهم يعاقبون ذوي الضحايا أنفسهم، واقعهم لا يقلّ ألماً عن تلك الصور. هذا القانون جريمة سياسية وبلاء؛ نزيف ولادة قيصرية لشكل جديد للموت يسببها ألم المعدة الخاوية و الخاصرة جوعاً.

هل ستتصدر صورنا بأجساد نحيلة جوعاً لجوائز دولية جديدة؟

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى