قلم توك

كيف ستغفو بعد كتابة مقال سياسي

منذ حوالي خمس وعشرين سنة كان عدد المنازل في قريتنا لا يتجاوز عشرة منازل، يبعد كل واحد منها عن الآخر حوالي نصف كيلو متر، وفي إحدى الليالي الشتوية الممطرة كان صديق والدي في ضيافتنا، وكنت أدرس بالقرب منه وأسترق السمع لأحاديثه، وفجأةً، انقطعت الكهرباء، فقلت: “الله يلعن أبو مدير الكهربا”.

وجاء ردّ الضيف سريعاً: “هس ولاك الحيطان إلها دينان بتسمع “.

وألقى علي خطبةً طويلةً مفادها أن أكون حذراً في شتم أي مسؤول في الدولة، حتى لو كنت في منزلي، فربما كان هناك شخص ما وراء النافذة يسترق السمع لأحاديثنا! بل ويجب أن أكون حذراً بقول أي كلام من هذا النوع أمام أي إنسان، حتى أمي وأبي، وحتى بيني وبين نفسي مستشهداً بالآية التي تقول ” ما يَلفِظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ” وختم حديثه بأن مثل هذه الكلام يوصلني إلى بيت خالتي، ويغيبني وراء الشمس.

وبالطبع بيت خالتي هو تعبير مجازي يَقصد به السجن، كما أن عبارة الجدران لها آذان تعبير مجازي يدل على أن كل كلام فيه انتقاد للدولة مهما كان صغيراً ستسمع به وتُعاقِب عليه…

نظرت إليه بعينين فيهما الكثير من الذعر والشكر والامتنان لحرصه على سلامتي، ثم طأطأت رأسي نحو كتاب التربية القومية وأكملت قراءة المنطلقات النظرية للحزب.

بعد مُضي ساعة ونصف تقريباً انخفض مستوى الإضاءة في الغرفة بسبب ذوبان بعض الشموع ونتيجة لذلك ارتطمت يد صديق أبي بكأس الشاي، فأوقعه، وقال بغضب: الله يلعن أبو مدير الكهربا ما حلّو يجيبها…

نظرت إليه بتعجب وقلت: ماذا لو أن هناك شخص وراء الشباك يتنصت علينا وسمعك تشتم مسؤول في الدولة؟! فرد بصوت عالٍ وخائف: أنا ما بخاف إلا من يلي خلقني وإزا في حدا ورا الشباك رح إفسخو نصين ليتعلم كيف يتلصلص ع بيوت الناس بنص الليل.

الخوف غريزة يشترك فيها الإنسان مع الكائنات الأخرى، وهدفها حمايتنا من الخطر الذي يهدد حياتنا، ولكن هناك خوف مكتسب يأتي نتيجةً لظروف تربوية واجتماعية نعيشها، وهدفه حمايتنا من الغياب وراء الشمس، هذا الخوف يقوم الأهل بزرع بذوره ويساهموا في تربيته والاعتناء به بمساعدة العم والخال والجيران وأستاذ التربية الدينية ومدير المدرسة الابتدائية ومدرب التربية العسكرية ومناهج التعليم والصحف والمجلات والإذاعات والتلفزيون… وغيرهم الكثير.

يتحول هذا الخوف مع الوقت إلى شُرطي في داخلنا يراقبنا على مدار اليوم، وبفضل هذه الرقابة الداخلية تصبح لدينا معرفة ممتازة عن الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها وبالطبع تتفاوت هذه الخطوط من شخص لآخر، فهناك أناس لا يجرؤن على القول بأن المخابز الحكومية تنتج خبزاً بجودة منخفضة جداً.

ولأني كما الملايين أحمل الخوف المكتسب منذ طفولتي كنت حريصاً بأن لا أوجّه انتقادات أو أتحدث بأمور قد تعرضني للأذى، واهتماماتي كانت منحصرة في قراءة الكتب والسينما والموسيقا، وفي الثامنة عشر من عمري كتبت أول مقال صحفي، حينها لم يكن هناك إنترنت ومراسلة عبر البريد الإلكتروني، وكان علي كتابة المقال على الورق وإرساله في ظرف إلى مركز البريد، كتبت المقال بخط يدي وأرسلته.

كان المقال عاديًا جداً وبينه وبين الخطوط الحمراء آلاف الخطوط الملونة، والجريدة التي أرسلت لها كانت تدخل إلى البلاد بشكل دوري، ولكن لم يصل، وتم استدعائي لعدة ساعات عرفت خلالها أن المقال لم يسمح له بالمرور لأني قلت فيه ” تفتح لدي في اللاوعي وعيٌ سياسي “، وكان عليّ قبل أن أخرج الإجابة على سؤال دادائي سريالي ميتافيزيقي وهو: كيف تفتح لدي في اللاوعي وعيٌ سياسي؟ يومها لا أذكر بماذا أجبت.

في الحقيقة حتى الآن لا أعرف ما هي الإجابة، ولا أعرف كيف خطر لي كتابة مثل هذه الجملة الإشكالية التي تعجز عن فهمها المدرسة التفكيكية والبنيوية!!

بإيجاز شديد يمكن القول بأن اللاوعي بحسب علم النفس مكان غامض فيه الكثير من الأمور التي يستحيل معرفتها أو إدراكها، ورغم ذلك يكون له تأثير على سلوكنا دون أن نعلم، وبمجرد أن ندرك هذه الأشياء تنتقل من منطقة اللاوعي الغامضة اللامدركة إلى منطقة الوعي والإدراك وتصبح معروفة لدينا.

وبناءً على ذلك لا أعرف كيف أدركت وعلمت أنه قد تفتح لدي في اللاوعي وعيٌ، ولازلت محتاراً كيف أدركت وكنتُ أعي ما هو خارج عن إدراكي ووعيي!! أظن أن هذا هو المستحيل الثامن بعينه!.

حين علمت أمي أنه تم استدعائي أصيبت بالذعر، ولم تنتظر لتعرف أن السبب هو جملة في مقال وبصوت خائف ومؤنِّب قالت :” يا ولي أنا…عم تعلق مع الدولة ولك ابني نحنا قد الدولة الله يخليك لا بقا تعمل مشاكل”.

لا يختلف كلامها عما قاله أحد الأشخاص في فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي منذ أشهر ” ولك أنت قد الدولة يا حيوان … شو مفكر الدولة أمك أخت بيك “.

بعد هذا المقال قررت أن أتوقف عن الكتابة والتحقت بالخدمة الإلزامية، وبعد أن تسرحت أصبح الخوف المكتسب متغلغلاً ومتجذراً بشكل مدهش وعميق في داخلي، فأصبحت أتحاشى النظر بشكل مباشر إلى سيارة المرسيدس أو أي سيارة من النوع الفخم، وأفكر أنه ربما أنزل أحدهم بلور سيارته، ومن أجل التسلية قال لي: شوفي ليكون مو عاجبك؟

بالطبع إن تجرأت، لا سمح الله، وقلت له: لا مو عاجبني… سيرد: أنت بتعرف مع مين عم تحكي ولاك؟ والله بنسيك حليب أمك…

الجدير بالذكر أن هذه العبارة هي مصدر رعب للكثيرين أيضاً، كما تعلمت بعد أن تسرحت أنه أثناء قيادتي لسيارتي ” البيك أب موديل 1977 ” يجب أن أنظر دوماً في المرآة وألتزم اليمن وأبطّئ سرعتي في حال لمحت سيارة فخمة قادمة ورائي حتى لو كانت أحقية المرور لي، فلا أحد يعلم ماذا سيحدث لو اقترب مني وأطلق بوقاً وأنا تأخرت لثوانٍ قبل أن أفتح له طريقاً ليمر !!

وبالطبع ليس أصحاب السيارات فقط من يبثون الخوف في النفوس، هناك أشخاص بقميص وبنطال أسودين، وحزام خصر أسود، وأحياناً بني غامق، ونظارات شمسية معظمها ماركة “راي بان”، وذقن خفيفة ومحددة من كل الاتجاهات وكأنها مرسومة بالمسطرة، وحذاء أسود بكعب متوسط ومدبب من الأمام، وبيدهم جريدة الأسبوع الماضي!

من الحقائق العلمية التي لاشك فيها أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان، وأن الفيل لا يمكنه مهما حرك أذنيه الطيران… وأن هناك نوع خاص من الخوف يكبر داخل نفوس الملايين من السوريين كل يوم.

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى