دولي

إيران: الصمود فقط من خلال القمع، نظام ضعيف ومعزول على وشك الانهيار في مواجهة المظاهرات الحاشدة

لعدة أسابيع، تشهد إيران موجة من الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد. جزء من المطالب الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وعدم الاستقرار وانهيار القوة الشرائية، سرعان ما اتخذت الاحتجاجات بعدا سياسيا واضحا. وفي العديد من المدن، تستهدف الشعارات الآن بشكل مباشر أسس الجمهورية الإسلامية، مما يثير سؤالاً مركزياً: هل النظام الإيراني مهدد بالسقوط حقاً؟

تحول الغضب الاجتماعي إلى سياسي

يختلف الاحتجاج الحالي عن الحركات السابقة من حيث جذوره في مختلف الطبقات الاجتماعية. يتجمع التجار والطلاب والعمال غير المستقرين والطبقات الوسطى الفقيرة في غضب مشترك ضد نظام يُنظر إليه على أنه منغلق وفاسد وغير قادر على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

وخلافاً لأحداث الاحتجاج الأخرى، يبدو أن الخوف ينحسر. ولم يعد المتظاهرون يطالبون بالإصلاحات فحسب، بل يعبرون صراحة عن رفضهم للنظام السياسي القائم. ويشكل هذا التمزق النفسي واحداً من العناصر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للقوة الإيرانية، التي تبدو شرعيتها الإيديولوجية ضعيفة على نحو متزايد.

نظام يخنق الحريات ويدمر آفاق المستقبل

وبعيدًا عن القمع الفوري، فإن التعبئة الحالية تجد مصدرها في الشعور بالضيق الأعمق. لعقود من الزمن، ظل النظام الإيراني يحرم السكان – وخاصة النساء والشباب – من الحريات الأساسية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية. إن القيود المفروضة على أنماط الحياة والتعبير الفردي والاختيارات الشخصية تغذي شعوراً واسع النطاق بالاختناق.

ويضاف إلى هذا الحرمان من الحريات الأزمة الاقتصادية المستمرة، التي تتسم بالتضخم والبطالة وانهيار الآفاق المهنية. بالنسبة لجزء كبير من الشباب الإيراني، لم يعد الأمر مجرد مسألة تنافس على السلطة، بل أصبح المطالبة بالحق في الحياة: العيش بحرية، والعمل بكرامة، والحب، والإبداع، والتطلع إلى المستقبل. ويصطدم هذا الطموح وجهاً لوجه مع نظام يُنظر إليه على أنه ثابت وسلطوي ومنفصل عن مجتمع شاب ومتعلم ومتوجه نحو العالم.

قمع واسع النطاق له عواقب سياسية خطيرة

وفي مواجهة التعبئة، ردت السلطات الإيرانية بقمع شديد: اعتقالات جماعية، واستخدام القوة، وإغلاق الإنترنت، والتجريم الديني للمتظاهرين. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى كسر ديناميكية الشارع ومنع أي هيكلة للحركة. لكن هذا القمع يأتي بثمن سياسي باهظ. ومن خلال الاعتماد بشكل شبه حصري على الإكراه، يبرز النظام القطيعة مع المجتمع الذي يعاني بالفعل من انعدام الثقة بشكل كبير. كل اعتقال وكل وفاة وكل انقطاع عن الكهرباء يعزز الشعور بالظلم ويزيد من تآكل شرعية السلطة، بما في ذلك بين القطاعات التي كانت حتى ذلك الحين سلبية أو استسلمت لها.

على المدى المتوسط، يضعف هذا المنطق القمعي النظام نفسه: فهو لا يعالج أيًا من الأسباب الجذرية للغضب الاجتماعي ويحول الاحتجاج لمرة واحدة إلى أزمة ثقة بنيوية بين الدولة والسكان.

/ ع>

نظام ضعيف لكنه لا يزال يتمتع بأدوات سيطرة مهمة

وعلى الرغم من نقاط الضعف هذه، سيكون من السابق لأوانه الإعلان عن الانهيار الوشيك للنظام. لا يزال جهاز الأمن الإيراني يتمتع بأدوات سيطرة كبيرة، ويعتمد على الهياكل المنظمة ويحافظ بشكل عام على الولاء المؤسسي. يواصل الحرس الثوري لعب دور مركزي في الحفاظ على النظام السياسي، عسكريًا واقتصاديًا.

علاوة على ذلك، لا تزال الحركة الاحتجاجية تعاني من الافتقار إلى قيادة موحدة واستراتيجية سياسية واضحة. إن غياب بديل منظم يحد، في الوقت الحالي، من قدرة الشوارع على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع انتقالي ذي مصداقية.

الأزمة الإيرانية تصبح قضية جيوسياسية إقليمية

إن الوضع الداخلي الإيراني له الآن تداعيات تتجاوز حدوده. وبحسب تقارير نشرتها وكالة رويترز في 11 يناير 2026، وضعت إسرائيل نفسها في حالة تأهب قصوى لاحتمال التدخل الأمريكي في إيران، مع استمرار الاحتجاجات. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكثرت تصريحاته في الأيام الأخيرة، محذرا القادة الإيرانيين من استخدام القوة، ومؤكدا أن الولايات المتحدة “مستعدة للمساعدة”. وقد أدى هذا الموقف إلى إجراء مشاورات أمنية رفيعة المستوى في إسرائيل.

وجرى اتصال هاتفي على وجه الخصوص بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حيث تم خلاله مناقشة الوضع الإيراني. وإذا لم تعرب إسرائيل علناً عن نيتها التدخل، فإن ذكرى المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران الماضي تظل حاضرة في أذهان الجميع.

ثورة شعبية مهددة بمنطق القوة

ويشكل تدويل الأزمة خطرا كبيرا على المتظاهرين الإيرانيين. ويخاطر الاحتجاج بالوقوع في منطق السلطة الذي يتجاوزه، مما يحول التعبئة الشعبية والاجتماعية والسياسية إلى متغير تكيف استراتيجي للجهات الخارجية. وفي الوقت نفسه، فإن التدخل الأميركي – حتى ولو كان محدوداً – قد يدفع الوضع إلى أزمة إقليمية مفتوحة، مما يضع التطلعات الأساسية للشعب الإيراني في الخلفية. الخطر إذن هو أن نرى ثورة ولدت من الرغبة في العيش بحرية تتحول إلى صراعات جيوسياسية لا تخدم الشعب ولا الديمقراطية.

لا شك أن الجمهورية الإسلامية تمر بواحدة من أخطر الأزمات في تاريخها الحديث. ويشكل تآكل شرعيتها الاجتماعية، وحجم الأزمة الاقتصادية، واستمرار الاحتجاجات إشارات تحذيرية خطيرة. ومع ذلك، فإن سقوط النظام ليس تلقائياً ولا وشيكاً. كل شيء سيعتمد على عدة عوامل حاسمة: قدرة المتظاهرين على الاستمرار والتنظيم، وموقف قوات الأمن، والدور الذي تختار القوى الأجنبية أن تلعبه. يتم تحديد مستقبل إيران اليوم على مفترق الطرق بين الشوارع والقمع والجغرافيا السياسية.