لماذا تقرأ:
- فهم التوترات المتزايدة بين الجزائر والإمارات.
- استكشاف الآثار الجيوسياسية لهذا القرار.
- تحليل الخلافات حول القضايا الرئيسية مثل فلسطين والصحراء الغربية.
وفي 10 سبتمبر/أيلول، قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة. قرار ثقيل، نادر للغاية بين دولتين عربيتين، لكنه يفرض سنوات عديدة من التوترات والشكوك والخلافات العميقة المتزايدة. وتزعم وزارة الخارجية الجزائرية أنها “استنفدت كل السبل” للحفاظ على العلاقة بين البلدين. تستحضر الجزائر أعمالا تعتبر عدائية وترى الآن أن مصالحها الاستراتيجية وأمنها الوطني على المحك. وبعبارة أخرى: لقد ولى زمن الاحتياطات الدبلوماسية.
إسرائيل والمغرب والصحراء الغربية: أصبحت الشروخ غير قابلة للتسوية
لعدة سنوات، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بتوسيع نفوذها بشكل كبير خارج منطقة الخليج. أفريقيا والمغرب العربي والقرن الأفريقي والبحر الأحمر: تنشر أبو ظبي عاصمتها وتحالفاتها ومرحلاتها الدبلوماسية في منطقة أصبحت تضاريس هائلة من المنافسات. وهذه هي الاستراتيجية بالتحديد التي تنظر إليها الجزائر بشكوك متزايدة. وفي الجدل الإعلامي والسياسي الجزائري، تضاعفت الاتهامات بالتدخل الإماراتي. وتعتبر الجزائر على وجه الخصوص أن بعض مبادرات أبو ظبي تتعارض بشكل مباشر مع مصالحها الإقليمية. وترفض السلطات الإماراتية هذه الاتهامات وتنفي انتهاج سياسة عدائية تجاه الجزائر.
ومن الواضح أن الانقسام الأول هو فلسطيني.
وكانت الإمارات أحد المهندسين الرئيسيين لاتفاقيات إبراهيم وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في عام 2020. ومنذ ذلك الحين، قامت أبو ظبي ببناء تعاون اقتصادي ودبلوماسي واستراتيجي كبير مع تل أبيب. لقد اتخذت الجزائر الخيار المعاكس تماماً. وترفض الجزائر التطبيع مع إسرائيل، وتواصل وضع القضية الفلسطينية في قلب دبلوماسيتها. وفيما يتعلق بهذه القضية، لم تعد الفروق الدقيقة البسيطة هي التي تفصل بين العاصمتين، بل هناك توجهان جيوسياسيان مختلفان بعمق.
النقطة الفاصلة الثانية: المغرب.
وتحافظ الإمارات على علاقات وثيقة مع الرباط وتدعم الموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية. الجزائر تدعم حق تقرير المصير للشعب الصحراوي وجبهة البوليساريو.
ومن الصعب، في ظل هذه الظروف، على الجزائر أن تعتبر النشاط الإقليمي لدولة قريبة جدًا من منافستها الرئيسية في شمال إفريقيا محايدًا. يضاف إلى ذلك الخلافات في منطقة الساحل وفي العديد من القضايا الإفريقية حيث لا تدافع الجزائر وأبو ظبي عن نفس الشركاء ولا عن نفس الأولويات.
أبوظبي تمد نفوذها والجزائر ترفض إملاء خطها
ومن ثم يأخذ القرار الجزائري بعدا آخر. ولا يقتصر الأمر على استدعاء سفير أو إصدار بيان احتجاج.
الجزائر تغلق الباب.
وأمر السفير الإماراتي بمغادرة أراضيها، كما أعلنت الجزائر إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات، مع فترة انتقالية لبعض الروابط التجارية. وأيدت عدة أحزاب ومنظمات جزائرية هذا القرار علناً، معتبرة إياه إجراء يهدف إلى حماية سيادة البلاد ومصالحها العليا. ومن الصعب تفسير الرسالة المرسلة إلى أبو ظبي بطريقة أخرى: الجزائر لم تعد ترغب في التسامح مع ما تعتبره تدخلا في بيئتها الاستراتيجية.
تمتلك الإمارات رصيداً كبيراً: قوتها المالية. الصناديق السيادية، والاستثمارات، والموانئ، والطاقة، والعقارات، والتكنولوجيات الجديدة: رسخت أبوظبي مكانتها في غضون سنوات قليلة كواحدة من أكثر اللاعبين تأثيراً في العالم العربي والإفريقي. وتسمح هذه القوة الاقتصادية للإمارات بتكوين شراكات بعيدة عن حدودها والحصول على نفوذ سياسي يتجاوز حجمها الديموغرافي.
لكن من الواضح أن الجزائر تنوي الإشارة إلى أمر واحد: وهو أن دفتر الشيكات لا يعطي الحق في مراجعة سياسات الدول الأخرى. إن المواجهة تدور اليوم حول مسألة السيادة هذه بالتحديد. وفي مواجهة هذا الاختراق المذهل، اختارت الإمارات لهجة أكثر اعتدالا. وتقول أبو ظبي إنها تأمل أن يكون القرار الجزائري مؤقتا فقط، وتصر على احترامها للشعب الجزائري. ويتناقض ضبط النفس هذا بشكل حاد مع شدة القرار الذي اتخذته الجزائر. ومع ذلك، فإن هذا لا يكفي لمحو سنوات عديدة من عدم الثقة.
الجزائر ترسم خطها الأحمر في وجه الأطماع الإماراتية
في الأساس، تحكي هذه الأزمة شيئا أوسع بكثير من الخلاف بين عاصمتين عربيتين. إنه يكشف عن صراع بين مفهومين للسلطة. فمن ناحية، قامت الإمارات ببناء دبلوماسية هجومية للغاية، مدعومة بملياراتها واستثماراتها وشبكة واسعة من التحالفات الإقليمية. في المقابل، تطالب الجزائر باستقلالها الدبلوماسي، وترفض التطبيع مع إسرائيل، وتعتبر بيئتها الشمالية والساحلية والإفريقية قضية استراتيجية كبرى. وبعد عدة سنوات من عدم الثقة، حددت الجزائر للتو خطها الأحمر. الرسالة الموجهة إلى أبو ظبي أصبحت الآن واضحة لا لبس فيها: الجزائر تنوي أن تقرر وحدها تحالفاتها وسياستها الإقليمية ومصالحها.
وهذه المرة اختارت الانفصال لإعلان الأمر.