النفط لا يشكل الأسواق العالمية فحسب. كما أنه يؤثر، بطريقة ملموسة للغاية، على الطريقة التي يتم بها الحكم على الأنظمة السياسية أو التسامح معها أو محاربتها. إن المقارنة بين المملكة العربية السعودية وفنزويلا تسلط الضوء على حقيقة يصعب تجاهلها: وهي أن المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان تصبح متغيرة عندما تصبح مصالح الطاقة الغربية على المحك.
السعودية: نظام استبدادي يحميه نفطها
وتعتبر المملكة العربية السعودية إحدى القوى الكبرى في مجال الطاقة في العالم. غير أن هذا الموقف المركزي يرتكز على نظام سياسي لا يترك مجالاً للشك: فالمملكة ملكية مطلقة، دون انتخابات وطنية حرة، ودون تعددية سياسية حقيقية، ودون حرية تعبير جديرة بهذا الاسم. يتم سجن المعارضين، وإسكات الأصوات الناقدة، والنقابات غير موجودة. من المؤكد أن المرأة حصلت على بعض الحقوق في السنوات الأخيرة، لكن هذه التقدمات لا تزال خاضعة لرقابة صارمة من قبل قوة استبدادية لا تتسامح مع أي نزاع. وعلى الرغم من ذلك، تظل المملكة العربية السعودية شريكًا مميزًا للقوى الغربية. والسبب بسيط: الدور المركزي الذي تلعبه في إمدادات النفط العالمية. شكرا ل أرامكو السعوديةيمكن للرياض أن تعمل على استقرار الأسواق، أو على العكس من ذلك، التسبب في توترات الأسعار.
وهذه القدرة تمنح المملكة شكلاً من أشكال الحصانة السياسية. يتم ذكر انتهاكات حقوق الإنسان، وأحياناً يتم إدانتها شفهياً، ثم سرعان ما تطغى عليها ضرورات “الاستقرار” و”أمن الطاقة”.
فنزويلا: النفط كأداة للسيادة… والمواجهة
لقد اتبعت فنزويلا مساراً مختلفاً جذرياً. منذ عهد تشافيستا، كان يُنظر إلى النفط على أنه أداة للسيادة الوطنية، تهدف إلى تمويل السياسات الاجتماعية وكسر الاعتماد التاريخي على واشنطن. وسرعان ما وضع هذا التوجه كاراكاس في موقف مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. الشركة العامة شركة النفط الوطنية الفنزويلية وقد تم استهدافها بعقوبات صارمة، مما حرم البلاد من الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيات والاستثمارات اللازمة لاستغلال مواردها.
والنتيجة معروفة: انهيار الإنتاج، وأزمة اقتصادية كبيرة، وإفقار وحشي للسكان. لقد تحول النفط، الذي كان من المفترض أن يضمن الاستقلال، إلى عامل ضعف شديد.
الاعتراف بالطبيعة الاستبدادية لنظام مادورو، دون تبرير عدم شرعيته
ومع ذلك، سيكون من غير النزيه تجاهل الواقع السياسي لفنزويلا الحالية. يقود نيكولاس مادورو نظامًا استبداديًا يتسم بتركيز السلطة وقمع المعارضة والتدهور الخطير للمؤسسات الديمقراطية. إن الاعتراف بهذه الحقيقة أمر ضروري لأي تحليل جدي. لكن هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال اختطافه، ولا الأساليب الخارجة عن القانون المستخدمة ضده. إن إدانة الاستبداد لا يمكن أن تكون ذريعة لممارسات تنتهك القانون الدولي وتعزز قانون الأقوى.
وهنا مرة أخرى يكون التناقض صارخا: إذ يتم القبض على بعض الزعماء المستبدين أو معاقبتهم، في حين يستفيد آخرون، بنفس القدر من القمع، من الحماية الضمنية بسبب فائدتهم الاستراتيجية.
هذه الاختلالات موجودة حتى في أوبك. رسميا، جميع الدول المنتجة متساوية. ومن الناحية العملية، تحدد المملكة العربية السعودية إلى حد كبير وتيرة الإنتاج، مدعومة بقدرتها الإنتاجية وتحالفاتها الدولية. وتطالب فنزويلا، الضعيفة والمعزولة، برفع الأسعار من أجل الحفاظ على عائداتها، ولكن من دون أن تمتلك الوسائل السياسية أو التقنية اللازمة لإحداث أي تأثير حقيقي. ومن ثم فإن منظمة أوبك لا تبدو وكأنها مساحة للتضامن بقدر ما تبدو وكأنها انعكاس لتوازن القوى العالمية.
النفط والاستبداد والنفاق الغربي
تكشف الحالة السعودية عن تناقض مركزي في الخطاب الغربي. تعتبر حقوق الإنسان قيمة عالمية، ولكنها تطبق بطريقة انتقائية للغاية. وما دام تدفق النفط وعقود الأسلحة تتكاثر وتبقى الأسواق تحت السيطرة، فإن غياب الديمقراطية يصبح أمراً ثانوياً. ويؤدي هذا الرضا عن النفس إلى تغذية الاستياء العميق في العديد من مناطق العالم، حيث تبدو الأخلاق الدولية مشروطة بالمصلحة الاقتصادية.
وفي فنزويلا، أدت العقوبات وانهيار النفط إلى دفع الملايين من الناس إلى حالة من عدم الاستقرار والمنفى. وفي المملكة العربية السعودية، تعمل عائدات النفط على تغذية سلطة الدولة والنخب، من دون منح المواطنين حقوقاً سياسية حقيقية. وفي كلتا الحالتين، يخدم النفط قبل كل شيء في تعزيز الأنظمة، أكثر بكثير من تحرير السكان.
إن المقارنة بين المملكة العربية السعودية وفنزويلا تكشف حقيقة مزعجة: في نظام النفط العالمي، الديمقراطية قابلة للتفاوض. ولا يتم الحكم على الأنظمة بناء على ممارساتها، بل على أساس فائدتها الاستراتيجية. وما دام هذا المنطق هو السائد، فإن تحول الطاقة لن يشكل تحديا بيئيا فحسب. وستظل أيضًا معركة سياسية وأخلاقية تهدف إلى الانفصال عن نظام حيث الحريات مشروطة والعدالة الدولية غير متكافئة إلى حد كبير.