في جميع أنحاء العالم، يتعرض الأطفال الصغار للحكايات الخيالية الكلاسيكية والأساطير والقصص الأخرى. يحب معظم الأطفال سماع القصص، ولكن بالإضافة إلى كونها نشاطًا ممتعًا، يُعتقد أيضًا أن رواية القصص هي أداة تعليمية يمكنها تعزيز التفكير الأخلاقي والصدق.
تشير الحكمة التقليدية إلى أن سماع القصص الخيالية التي يُعاقب فيها الأبطال غير الشرفاء قد يساعد في إقناع المستمعين بأن يصبحوا قائلين للحقيقة.
من المثير للدهشة أن هناك القليل من البيانات العلمية التي تدعم هذه الحكمة التقليدية، لذلك قام فريق من الباحثين في كندا من جامعة تورنتو وجامعة ماكجيل وجامعة بروك بدراسة كيفية تأثير رواية القصص “الأخلاقية” الكلاسيكية للأطفال الصغار على استعدادهم لقول الحقيقة. اتضح أن التأثير المزعوم لتعزيز الصدق لبعض الأساطير هو إلى حد ما أسطورة.
ونشرت نتائج الدراسة التي أجراها الدكتور كانغ لي وزملاؤه في المقال “هل يمكن للقصص الأخلاقية الكلاسيكية أن تعزز الصدق عند الأطفال؟“(تم نشره على الإنترنت في 13 حزيران (يونيو) 2014 في العلوم النفسية). قام الباحثون بتجنيد أطفال (تتراوح أعمارهم بين 3 إلى 7 سنوات) من منطقتين حضريتين في كندا لدراستهم.
في التجربة الأولى (268 طفلاً)، طُلب من الأطفال أن يلعبوا لعبة تخمين، حيث كانوا يجلسون مع ظهورهم نحو أحد جانبي الطاولة ولا يمكنهم رؤية ما تم وضعه على الطاولة. جلس المجرب على الجانب الآخر من الطاولة ووضع لعبة على الطاولة، مما أدى إلى إصدار صوت عند الضغط على الزر مما أدى إلى ظهور صوت مرتبط عادة باللعبة.
على سبيل المثال، الضغط على زر على لعبة البطة من شأنه أن يجعل البطة تصدر صوتًا. ثم طُلب من الطفل أن يخمن طبيعة اللعبة بناءً على سماع الصوت فقط، دون السماح له بالاستدارة ورؤية اللعبة فعليًا. بعد بعض الأسئلة الأولية، أخبرت المُجرِّبة الطفلة بأنها نسيت كتابًا للقصص. وضعت لعبة جديدة على الطاولة، وطلبت من الطفلة ألا تستدير بينما تحصل على كتاب القصة.
بعد مغادرة الغرفة، لم يتمكن المجرب من رؤية الطفل أو سماعه، وبالتالي لم يتمكن من معرفة ما إذا كان الطفل قد استدار وألقى نظرة خاطفة على اللعبة الجديدة أم لا. ومع ذلك، قام مجرب آخر بتسجيل الطفل بالفيديو بكاميرات مخفية.
وبعد دقيقة واحدة، دخل المجرب الغرفة مرة أخرى، وطلب من الطفل أن يظل متجهًا بعيدًا عن الطاولة وسرعان ما غطى اللعبة المستهدفة بقطعة قماش. ثم طلب المجرب من الطفل أن يستدير ويقرأ قصة للطفل. تم تكليف الأطفال بسماع إما “السلحفاة والأرنب” (قصة المراقبة التي لا تحتوي على درس “أخلاقي” واضح حول الصدق/عدم الأمانة) أو إحدى القصص التجريبية التالية:
1) “بينوكيو” – القصة التي يطول فيها أنف الدمية في كل مرة يكذب فيها
2) “الصبي الذي بكى الذئب” – قصة صبي راعي صغير يكذب في كثير من الأحيان بشأن تعرضه لهجوم من قبل الذئب. عندما يظهر الذئب حقًا، لا أحد يصدق الصبي، ويلتهم الذئب هو وأغنامه
3) “جورج واشنطن وشجرة الكرز” – الحكاية الشهيرة لجورج واشنطن البالغ من العمر ست سنوات (والتي يُعتقد أيضًا أنها أسطورة أكثر من كونها حدثًا تاريخيًا حقيقيًا) الذي قطع شجرة كرز بفأس لكنه اعترف بصدق بفعل ذلك عندما استجوبه والده. ولم يعاقبه الأب بل مدحه على صدقه.
وكانت جميع القصص بنفس الطول تقريبًا، وتأكد المجرب من أن الطفل قد فهم العناصر الأساسية للقصة المختارة (سمع كل طفل قصة واحدة فقط).
إذا كان الطفل قد سمع “الصبي الذي بكى الذئب” أو “بينوكيو”، قال المجرب للطفل: “سأطرح عليك سؤالاً، ولا أريدك أن تكون مثل الصبي الذي بكى الذئب. أريدك أن تخبرني بالحقيقة، حسنًا؟” أو “سأطرح عليك سؤالاً، ولا أريدك أن تكون مثل بينوكيو. أريدك أن تخبرني بالحقيقة، حسنًا؟” وبعد أن وافقت المشاركة على قول الحقيقة، سألتها: “هل استدرت وألقيت نظرة خاطفة على اللعبة عندما غادرت الغرفة؟”
تم تكرار إجراء مماثل للأطفال الذين سمعوا “جورج واشنطن وشجرة الكرز”، ولكن هنا قال المجرب للأطفال: “سأطرح عليكم سؤالاً، وأريدكم أن تكونوا مثل جورج واشنطن في القصة. أريدكم أن تقولوا لي الحقيقة، حسنًا؟ هل استدرتم وألقيتم نظرة خاطفة على اللعبة عندما غادرت الغرفة؟”
سُئل الأطفال الذين سمعوا “السلحفاة والأرنب”: “سوف أطرح عليك سؤالاً، وأريدك أن تخبرني بالحقيقة، حسنًا؟ هل استدرت وألقيت نظرة خاطفة على اللعبة عندما غادرت الغرفة؟”
عندما قام الباحثون في وقت لاحق بتحليل تسجيلات فيديو الكاميرا الخفية، وجدوا أن الغالبية العظمى من الأطفال قد استداروا بالفعل خلال اللحظة القصيرة التي غاب فيها المجرب. كان العمر هو المؤشر الرئيسي على ما إذا كان الطفل سيلقي نظرة خاطفة على اللعبة أم لا. من بين الأطفال بعمر 3 سنوات، استدار 88% من الأطفال ونظروا إلى اللعبة، بينما استدار 68% فقط من الأطفال بعمر 7 سنوات.
لا ينبغي لأي شخص لديه أطفال أو عمل مع أطفال صغار أن يتفاجأ بهذه النتائج. الأطفال الصغار فضوليون للغاية ومن الصعب مقاومة إغراء النظر. الأسئلة الأكثر إثارة للاهتمام هي ما إذا كان “المختلسون” قد اعترفوا بخيانتهم أم لا، وما إذا كان سماع القصص “الأخلاقية” قد أحدث فرقًا. وكانت النتيجة المدهشة هي ذلك فقط حوالي ثلث النظراء الذين سمعوا قصة “السلحفاة والأرنب” وقصة بينوكيو وقصة “الصبي الذي بكى الذئب” اعترفوا بالغش.
من الواضح أن سماع العواقب الوخيمة للكذب، مثل إقامة وليمة ذئب على صبي كاذب، لم يزيد من احتمالية قول الحقيقة. ومع ذلك، فإن الأطفال الذين سمعوا قصة جورج واشنطن كان لديهم معدل أعلى بكثير من قول الحقيقة: فقد اعترف ما يقرب من نصف الأطفال بإلقاء نظرة خاطفة على اللعبة بينما كان المجرب قد غادر الغرفة!

وتساءل الباحثون عن سبب فعالية قصة جورج واشنطن. أحد التفسيرات المحتملة هو أن القصة كانت لها نتيجة إيجابية حيث تمت مكافأة جورج واشنطن على قول الحقيقة بينما ركزت القصتان الأخريان (بينوكيو وولف) على النتائج السيئة للكذب. فقرر الباحثون إجراء تجربة ثانية قاموا فيها بتعديل قصة جورج واشنطن.
في هذه النسخة “السلبية”، يكذب جورج واشنطن على والده بإخباره أنه لم يقطع شجرة الكرز، لكن والده اكتشف الحقيقة لاحقًا. كعقاب على كذبه، أخذ والد جورج فأس جورج وأخبره أنه يشعر بخيبة أمل شديدة فيه لأنه كذب.
تم تعريض الأطفال في هذه التجربة الثانية لنفس الإعداد والتسجيل كما في التجربة الأولى، لكن النتائج كانت رائعة للغاية: انخفض معدل قول الحقيقة للأطفال الذين سمعوا النسخة السلبية من جورج واشنطن إلى أقل من 30%، وهو ما يشبه إلى حد كبير القصة الضابطة، أو قصة بينوكيو، أو قصة الذئب. يشير هذا إلى أن القوة التي تتمتع بها قصة جورج واشنطن الكلاسيكية في تعزيز الحقيقة قد ترجع بالفعل إلى حقيقة أنه تمت مكافأته أو الإشادة به على صدقه.
يكشف هذا البحث عن آلية مهمة لكيفية تعزيز القصص “الأخلاقية” لقول الحقيقة، ويمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة لأولياء أمور المعلمين. قد تعزز القصص الصدق إذا قدمت نماذج إيجابية (“كن مثل جورج واشنطن”) وتؤكد على فوائد الصدق بدلاً من التركيز على العواقب الوخيمة لعدم الصدق.
بدلاً من مجرد افتراض أن جميع القصص “الأخلاقية” تعزز القيم الأخلاقية، يتعين على المرء أن يميز بعناية بين القصص التي تستخدم نماذج إيجابية مقابل نماذج سلبية. بحثت هذه الدراسة فقط في تأثير رواية القصص على الصدق، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت تأثيرات مماثلة يمكن رؤيتها أيضًا في القصص التي يُعتقد أنها تعزز قيمًا أخلاقية أخرى مثل الرحمة أو الشجاعة. لقد تم تصميم الدراسة بشكل جيد للغاية مع مجموعات مراقبة مناسبة، ونأمل أن تكون بمثابة مصدر إلهام للبحث المستقبلي حول تأثير رواية القصص على الأطفال.
أعيد نشرها بإذن طيب من المؤلف. نُشرت في الأصل على موقع scilogs.com