- اكتشف رؤية جودت سعيد الفريدة حول اللاعنف.
- استكشف دعوته للمسؤولية الفردية والمعرفة.
- فهم أهمية فكره في السياق الحالي للمجتمعات الإسلامية.
اختفى جودت سعيد عام 2022 في إسطنبول، ولا يزال شخصية فريدة في الفكر الإسلامي المعاصر. ومع أنه لم يحظى بتغطية إعلامية كبيرة، وكثيرًا ما كان مهمشًا، إلا أنه حمل فكرة قوية طوال حياته: إن اللاعنف ليس غريبًا على الإسلام، بل هو بُعد أساسي. وفي عالم يتسم بالصراعات والهيمنة وتوترات الهوية، تبدو أفكاره اليوم ذات أهمية كبيرة.
ولد جودت سعيد عام 1931 في قرية بئر عجم في هضبة الجولان السورية، ونشأ في بيئة ريفية تتميز بالبساطة والشعور بالانتماء للمجتمع. اتجه في وقت مبكر جدًا إلى الدراسات الدينية قبل أن يغادر إلى الأزهر في القاهرة، أحد أكبر المؤسسات في العالم الإسلامي. وهناك يشكل جزءًا من تفكيره، ويكتشف ثروات التراث الإسلامي وحدود بعض القراءات الثابتة. تميز بالشخصيات الإصلاحية العظيمة، ولكن أيضًا بالاضطرابات السياسية في العالم العربي، حيث طور تفكيرًا أصيلًا، يتمحور حول المسؤولية الفردية والمعرفة ورفض العنف. في سوريا، يعيش حياة متكتمة، بين الكتابة والبث والعمل بالأرض، رافضاً منطق السلطة كالترويج الإعلامي. وهذا المسار، المتواضع والمتماسك للغاية، يسلط الضوء على قوة رسالته: الإسلام الذي يُختبر باعتباره أخلاقيات التحول الداخلي، في خدمة الكرامة الإنسانية، وليس كأداة للمواجهة.
قراءة القرآن موجهة نحو المسؤولية
يتبع جودت سعيد تقاليد المفكرين الإصلاحيين المسلمين، ولكن بأسلوب مباشر وسهل المنال. بالنسبة له، المشكلة الرئيسية للمجتمعات الإسلامية ليست الدين نفسه، ولكن الطريقة التي يتم بها فهمه ونقله واستخدامه. ويؤكد على فكرة أن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من الخارج، ولا يمكن فرضه بالقوة. وهو يستند إلى مبدأ مركزي في القرآن: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ” هذه الآية، حسب قوله، تعبر عن قانون عالمي: لا يمكن التحول الدائم دون عمل داخلي. وهذا يعني أن المجتمعات يجب أن تتطور أولا من حيث الفكر والتعليم والقيم قبل المطالبة بتغيير واقعها السياسي أو الاجتماعي. إنها دعوة للابتعاد عن منطق الإيذاء وانعكاسات الهيمنة.
ومن هذا المنظور، يعطي جودت سعيد مكانة مركزية للمعرفة. ويعتبر أن تخلف العالم الإسلامي ليس بسبب نقص الإيمان، بل بسبب نقص الفهم. فالدين، في رأيه، لا يجب أن يكون أبدًا بمثابة ذريعة للعنف أو الهيمنة، بل يجب أن يكون أداة للرفعة والوضوح والمسؤولية.
اللاعنف كمبدأ إسلامي
إحدى أقوى مساهمات جودت سعيد تكمن في إعادة قراءته الجذرية لمسألة العنف. وخلافاً لبعض الأفكار المسبقة، فهو لا يعتمد على مراجع خارجية، بل مباشرة على النص القرآني. وهو يسلط الضوء بشكل خاص على قصة ابني آدم، حيث يرفض المرء الرد على العنف بالعنف: “إذا مددت يدك لتقتلني، فلن أمد يدي لأقتلك”. بالنسبة له، هذه الفقرة ليست قصصية. إنها تحمل توجها أساسيا: العنف ليس التزاما دينيا ولا حتمية تاريخية. إنه خيار إنساني – وفي كثير من الأحيان، طريق مسدود. ويلخصه في صيغة واضحة: “الجهل هو سبب العنف. »
بمعنى آخر، كلما ابتعد المجتمع عن المعرفة والتفكير والأخلاق، كلما وقع في الوحشية. وعلى العكس من ذلك، فإن المعرفة والتعليم والفهم تفتح الطريق أمام أشكال مشاركة أكثر عدالة وكرامة وفعالية.
فكرة ضرورية اليوم
لقد رفض جودت سعيد دائمًا إضفاء الشرعية على العنف، سواء كان ذلك الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية أو الحركات التي تدعي أنها الإسلام. لقد رفض فكرة إمكانية الحصول على السلطة أو الحفاظ عليها بالقوة. بالنسبة له، العنف يؤدي فقط إلى إدامة ما يدعي أنه يحاربه. وقد تسبب هذا الموقف في تهميشه لفترة طويلة. وفي الفضاء الإعلامي الذي تهيمن عليه الخطابات الأعلى والأكثر تطرفا، نادرا ما تُسمع الأصوات التي تدعو إلى الصبر والإصلاح الداخلي ونبذ العنف. ومع ذلك، فإن تأثيره حقيقي. وفي سوريا على وجه الخصوص، حاول بعض النشطاء بناء أشكال من المقاومة السلمية مستوحاة من تفكيره، على الرغم من سياق الوحشية الشديدة.
اليوم، إعادة اكتشاف جودت سعيد ليست ممارسة فكرية بسيطة. إنها ضرورة. يفتح تفكيره طريقًا متطلبًا ولكنه مخلص بشدة لروح الرسالة الإسلامية: طريق يرفض حتمية العنف ويعيد تأهيل المسؤولية الإنسانية.
ربما لم يكن جودت سعيد شخصية إعلامية. لكنه طرح سؤالا جوهريا، مزعجا ومحررا في نفس الوقت: ماذا لو بدأ التغيير الحقيقي بأنفسنا حقا؟