الرئيسية / مقالات / الحزب الإسلامي التركستاني: تجربة “قاعدية” خاصّة في المسرح السوري

الحزب الإسلامي التركستاني: تجربة “قاعدية” خاصّة في المسرح السوري

الحزب الإسلامي التركستاني: تجربة "قاعدية" خاصّة في المسرح السوريالحزب الإسلامي التركستاني: تجربة “قاعدية” خاصّة في المسرح السوري

أسبار-وحدة تحليل السياسات

مقدمة:

لم ينل الحزب الإسلامي التركستاني في سوريا تغطية إعلامية أو تحليلية وافية لنشاطاته، فقد تمّ تسليط الضوء على تنظيم “داعش” بالدرجة الأولى، و”جبهة النصرة”، و”احرار الشام”، بالدرجة الثانية، وهو ما خدم الحزب بشكل كبير، حيث استطاع تنمية إمكاناته للحفاظ على قدراته البشرية، بعيداً عن أية عمليات كبرى ضدّه.

يعدّ هذا الحزب ظاهرة شديدة الخصوصية في مسرح العمليات العسكريّة في سوريا، فقد اصطحب مقاتلو الحزب عائلاتهم إلى “أرض الجهاد”، وتمكنوا مع الوقت من التكيّف مع البيئة الجديدة التي تواجدوا فيها، كما أن تكتيكاتهم الخاصّة مكّنتهم من تجنب الكثير من الصراعات، ويشكلون اليوم قوّة مهمة على الساحة العسكرية، خصوصاً بعد النهاية العسكريّة لتنظيم “داعش”، وهو ما يطرح أسئلة عديدة حول دورهم المستقبلي ومصيرهم.

استراتيجية النفس الطويل

لم يتخذ الحزب شكلاً عسكرياً منظماً في بدايات تواجده في عام 2012، فقد توافدت عناصره لاستكشاف المكان، وقد تمّ إرسالهم من قبل القائد العام للحزب، عبد الحق التركستاني، واقتصرت مهمتهم على معرفة ما يجري  في مناطق المعارضة السورية، وتحديداً الحدودية، من أجل تحديد أهداف العمل والتوزع والتحالفات مع الفصائل، وكان الواقع آنذاك يشير إلى أن “المعارضة السورية المسلحة” تتمدد بشكل سريع في الحدود الشمالية، مع وجود ثغرات فتحتها المعارضة في بعض المناطق، على حساب الجيش السوري، ولا سيما في دمشق وحمص والبادية ومناطق شمال شرق سوريا والجنوب السوري.

قيّم الحزب المناطق السوريّة بحسب أجندته الخاصّة، فقد نقل كشّافوه معلومات لقياداتهم، من أجل رسم خطة التواجد والعمل، بحيث يمكن لهم لاحقاً التمدد العسكري، ومن ثم تأسيس مجمّعات سكنية ضمنها، بما يتناسب مع طبيعة المقاتلين، ورؤيتهم بضرورة الابتعاد عن المناطق السكانية العمرانية، وقد كان قرار قيادة الحزب التركيز على المناطق الجبلية.

تزايدت أعداد عناصر الحزب في المناطق الحدودية الشمالية، خصوصاً في أطمة وسرمدا والدانا، وكان الهدف من هذا التمدد خلق نوع من القبول الشعبي لهؤلاء المقاتلين، من دون الإفصاح عن أي خطط مستقبلية. ولم يتمّ الإعلان عن ولادة الحزب حتى عام 2014، بعد أن أصبح للحزب مجموعات كثيرة في الشمال السوري، ونأى الحزب بنفسه عن أية تبعية مباشرة للتشكيلات القائمة، على الرغم من أنه عقد لاحقاً عدداً من الاتفاقات، وأهمها مع “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً).

 تمّ تعيين أبو محمد التركستاني قائداً عامّاً للفرع العسكري السوري، وهو ما ترافق مع قدوم أعداد جديدة من المقاتلين التركستان مع عائلاتهم، والذين اتخذوا من ريفي اللاذقية وإدلب مكاناً لتواجدهم وسكنهم، وقد أصبح تعاونهم بشكلٍ أوثق مع “هيئة تحرير الشام”، خصوصاً بعد سيطرتها على إدلب.

عوامل النجاح

لعبت العديد من العوامل الموضوعية والذاتية دوراً أساسياً في تجربة الحزب الإسلامي التركستاني، وأبرز تلك العوامل هي:

  1. القيام بعملية استكشاف للمكان، وتقوية العوامل الذاتية، قبل الإعلان الرسمي عن الحزب.
  2. التموضع في المناطق الحدودية والجبلية، وإقامة مجتمع خاص بأفراد الحزب وعائلاتهم، لتجنّب الاصطدام مع البيئة المحليّة.
  3. القدرة على جذب عناصر تركستانية جديدة، بحسب إمكانية الاحتواء، وعلى دفعات.  
  4. استخدام الإعلام بشكل منظم ومدروس، حيث أنشأ الحزب موقعاً رسمياً باللغتين التركية والصينية، لجذب مقاتلين إلى الجهاد في صفوفه.
  5. الاستفادة من “الإيغور” الموجودين في تركيا، والذين يحظون بحماية الدولة التركية ودعمها، وهم يشكلون نواة الحزب في سوريا.
  6. الدعم التركي متعدّد الجوانب، خصوصاً من الناحية اللوجستية، لتواجد عناصر الحزب بالقرب من الحدود مع تركيا، بالإضافة إلى التنسيق بين حزب العدالة والتنمية التركي والجمعيات التركمانية العاملة في مجالات الإغاثة، من أجل توفير الدعم للحزب.

“الأنصار” أو الفرع السوري

يتكون الحزب الإسلامي التركستاني من فرعين داخل سوريا، هما الفرع الرئيس الذي يقوده قائد الحزب في سوريا، أبو محمد التركستاني، وينحدر مقاتلوه من الصين الشرقية، وهم الطرف الأكثر عدداً (حوالي 3000 مقاتل)، يتوزعون في المناطق الجبلية ومناطق الأنهار ، وقاموا بإنشاء مراكز تدريب، وتجمعات سكنية لعائلاتهم في جسر الشغور، في المنطقة التي كان يسكنها مسيحيون سابقاً، بالإضافة إلى بعض الجبال التي تتركز فيها العناصر العسكرية (جبل التركمان، وجبال الأكراد)، والتي تتناسب مع رغبة هؤلاء العناصر في العيش في المناطق الجبلية، ويتواجد جزء قليل جداً من العناصر التابعين للفرع السوري، لكن تواجد هؤلاء لأغراض عسكرية بحتة.

أما الفرع السوري في الحزب (S-TIP)، فهو يتألف من عناصر “لواء الأقصى” في حماه، وقد أعلنوا انضمامهم للحزب في 23 فبراير/ شباط 2017، وقد كان “لواء الأقصى” جزءاً من “داعش”، ويبلغ عدد مقاتلي الفرع السوري حوالي 450 عنصراً، وقد اتخذوا تسمية جديدة لهم، وهي “الكتيبة الطبية”، وأحياناً يدعون أنفسهم ب “الكتيبة اللوجستية”، وبشكل عام لهم تسمية عامة ضمن هيكلية الحزب، وهي (الأنصار)، ومعظمهم من أبناء مدينة حماه، ويقودهم محمد زوّار.

التوزع الجغرافي

يتوزع مقاتلو الحزب حالياُ في عدد من المناطق، وهي:

  1. المنطقة السكنية الرئيسية في مدينة جسر الشغور، يمكن وصفها بأنها المنطقة المركزية لسكن عناصر الحزب وقياداته المسؤولين عن تنظيم الحزب في النواحي كافة.
  2. المنطقة الممتدة من جسر محمبل شرق جسر الشغور وحتى محطة زيزون والقرقور والطرف الشرقي لنهر العاصي في سهل الغاب، وتتضمن هذه المنطقة مقرات عسكرية واسعة للحزب، وهناك تعاون بين الحزب و”هيئة تحرير الشام”، في توزيع النقاط القتالية للطرفين.  
  3. المقرات ذات الطبيعة العسكرية القتالية، وتتواجد في جبل التركمان وجبل الأكراد، ويتعاون عناصر الحزب في هذه المنطقة مع “هيئة تحرير الشام”، وقوات تابعة ل “لجبهة الوطنية للتحرير”، إضافة لتشكيلات إسلامية عراقية.  
  4. يوجد بعض المقرات التنظيمية والعسكرية للحزب بمدينة سرمين وبلدة النيرب بالقرب من مدينة إدلب، بالإضافة إلى الريف الحموي الشرقي، خارج المنطقة المنزوعة السلاح، حيث يتعاون الحزب مع التشكيلات العسكرية المعتدلة، مثل الفرقة الوسطى، وتجمع العزة، والقوة 23.

مصادر تمويل الحزب

أتت الموارد الأولى للحزب من حركة طالبان، بالإضافة إلى بعض الجهات التركية التي سهّلت قدوم أفراد الحزب إلى سوريا، ولعب مكتب طالبان في قطر دوراً مهماً في تمويل الحزب، ويتمّ ذلك عبر “الهلال الأحمر القطري”، كما أن عبد الله المحيسني وأبو عبد الله الحموي قائد “أحرار الشام” لعبا دوراً مهمّاً في استضافة ودعم الوافدين الأوائل من الحزب إلى سوريا، حيث أنشأ أول معسكر تدريبي لهم في جبل شحشبو في ريف إدلب.

بعد الإعلان الرسمي عن الحزب في 2014، استمر دعم “طالبان” وتركيا للحزب، لتمويل هجرة المجاهدين التركستان، وأصبح التنسيق يتم من خلال مكتب الحركة القومية التركية في أنقرة، والمعروفة باسم “الذئاب”.   

أما تمويل العناصر والعائلات الموجودة حالياً في سوريا فيعود للسيطرة على بعض المنشآت الاقتصادية، التي تمّ بيعها بمئات الاف الدولارات، بالإضافة لعمليات التنقيب الأثرية، وخصوصاً في تل القرقور في سهل الغاب، والقرى المسيحية والأثرية في ريف جسر الشغور الغربي، بالإضافة إلى دعم بعض شخصيات المعارضة الصينية، وبعض الجمعيات، مثل منظمة قطر الخيرية، ومنظمة IHH التركية، التي تقوم بتقديم الخيم والمواد الغذائية.

كما قام الحزب بعمليات تمويل ذاتي، من خلال نهب منشآت اقتصادية، حيث فكّكمحطة مياه قرية عين لاروز في جبل الزاوية، وسكة قرية حيلا، ومحطات ضخ المياه في ريف حلب، ومحطة زيزون الحرارية.  كما قام الحزب بصفقات بيع معدات صناعية في حماة واللاذقية.

علاقة الحزب بالتشكيلات الإرهابية

يرتبط الحزب بعلاقات وثيقة مع “هيئة تحرير الشام”، وتشمل هذه العلاقات مستويات عدة، عقائدية وعسكرية وعملياتية، ولا سيما ان أبو إبراهيم التركستاني، القائد العسكري العام للحزب، بايع “أبو محمد الجولاني” بيعة قتال، مقابل تقديم الهيئة مرتبات مالية وأسلحة للحزب، وهو الأمر الذي تمّ  بضوء أخضر تركي كامل، نتيجة صرف الأسلحة من المستودعات الاستراتيجية العسكرية التي تسيطر عليها تركيا، ويمكن القول إن “هيئة تحرير الشام” تستخدم التركستان كقوة عسكرية لتروّع باقي الفصائل، نظراً لقوة مقاتلي الحزب التركستاني، ومعرفة الفصائل كافة أن مقاتلي الحزب هم من أقوى عناصر التشكيلات، من حيث الفعالية والتكتيك العسكري والانضباط، وهذا ما يفتقره عدد كبير من عناصر الفصائل الأخرى.

ويشكل عامل العقيدة أحد أهم العوامل المشتركة في العلاقة التي تجمع الحزب و”هيئة تحرير الشام”، فالطرفان يمتلكان مرجعيات متقاربة، فعلى الرغم من إعلان الجولاني انفصاله عن تنظيم “القاعدة”، إلا انه لا زال يقرّ بمرجعية أيمن الظواهري الشرعية، وهو ما يجعل المرجعية الشرعية للطرفين تقريباً واحدة.

عسكرياً، برز التنسيق بشكل أكبر بين “الحزب التركستاني” و”هيئة تحرير الشام” بعد أن واجها تهديدات مشتركة من قبل النظام السوري وحلفائه، وقد تجلى هذا التنسيق من خلال النقاط المشتركة التي يقيمانها في ريف حلب الجنوبي وريف اللاذقية الشمالي.  

وعلى خلاف الكثير من التنظيمات الإسلامية التي ظهرت على الساحة السورية، اتخذ الحزب التركستاني مسافة من “داعش”، ولم ينعكس التقارب العقائدي للطرفين في مصلحة التقريب بينهما، فقد بقيت مسألة مرجعية القيادة حجر عثرة في وجه أي تقارب، فقد رفض “داعش” العمل تحت الراية الدولية للجهاد، بينما يعتبر الحزب الراية الدولية، ممثلة ب”حركة طالبان” و”القاعدة” مرجعاً له، ولم تثمر بعض اللقاءات التي حدثت بين قيادات الحزب وقيادات “داعش” عن أية تفاهمات جدية بين الطرفين، كما أن العمل المشترك بين الحزب وبين “هيئة تحرير الشام” في مناطق مشتركة جعل الحزب حذراً من بناء أية علاقات مع “داعش”، لتناقضها مع مصالحه المباشرة، وقد أعلنت قيادة الحزب التركستاني في عام 2017، على لسان عبد الحق التركستاني، أن “البغدادي ساهم في شق صفوف المسلمين، وأن إعلانه للخلافة باطل، ولا يجوز العمل سوى مع الظواهري”، لكن الحزب، في الوقت نفسه، لم يتوانَ عن استقطاب عناصر سابقين في “داعش”، وهم عناصر “لواء الأقصى”، للاستفادة من معلوماتهم وخبراتهم في صفوفه.

معارك الحزب وتكتيكاته  

شارك الحزب في عمليات عديدة ضد قوات الجيش النظامي، من خلال القتال المباشر، أو من خلال “الانغماسيين”، في ريف اللاذقية، أو بالتعاون مع “جيش الفتح” في إدلب، وريف حلب، وقد حاول الحزب، منذ نشأته، الابتعاد قدر الإمكان عن خوض المعارك بشكل منفرد، وفضّل التنسيق مع قوى أخرى. وقد كان الحزب من مؤسسي “جيش الفتح”، في مارس/ آذار عام 2015، وشارك مقاتلوه في معركة إدلب وأريحا وجسر الشغور، وفي العام نفسه، شارك الحزب في معركة الفوعة وكفرية الأولى، وفي معركة السيطرة على مطار أبو ضهور، وفي عام 2016، شارك في معركة ريف حماه، ومعركة ريف حلب الجنوبي، وفي معركة “الملحمة الكبرى”، وفي معركة “عاشوراء” في ريف اللاذقية، ومعركة “حلب الكبرى”.

سيناريوهات المستقبل

يختلف الحزب الإسلامي التركستاني عن غيره بتركيبته، فهو ليس فقط غريباً عن سوريا والسوريين، بل عن المنطقة، كما أنه آثر عدم الاندماج في المجتمع السوري، وأبقى على مسافة تفصله عن البيئات المحلية، ولهذا فإن سيناريو بقاء الحزب وعناصره في سوريا يرتبط، بشكلٍ رئيس، في استمرار المناطق التي يتواجد فيها خارج سيطرة القوات النظامية، كما أن مصيره العسكري والسياسي مرهون بالدعم التركي.

إن أحد أهم الأسئلة التي يطرحها هذا النموذج يرتبط بمصير مقاتليه وعائلاتهم في حال حدوث تسوية سياسية مقبولة من تركيا، وما هي الوجهة الجديدة لهم، أم سيكونون كبش فداء، وورقة مساومة من قبل قطر وتركيا؟

إن بقاء الحزب وعناصره في سوريا، مرتبط بحصة تركيا في مستقبل سوريا، وتحديداً بمصير محافظة إدلب نفسها، وفي حال بقي مصير هذه المحافظة مجهولاً إلى أمد بعيد، فإن الحزب سيتحوّل مع مرور الوقت إلى أمر واقع، مع إجراء تحولات جديدة، تفرض شكلاً من أشكال الاندماج بين عائلات الحزب والبيئة المحلية.

خلاصة:

استثمرت تركيا وقطر في حالات متعددة داخل مسرح العمليات السوري، لكن الاستثمار في “الحزب الإسلامي التركستاني” يبقى ظاهرة خاصّة، فإذا كان بعض مقاتلي “داعش” قد استقدموا معهم عائلاتهم من البلدان التي قدموا منها، إلا أن المسألة بقيت ضمن “داعش” مسألة متعلقة برغبة الأفراد القادمين، بينما شكّل استقدام المقاتلين التركستان لعائلاتهم عصب التجربة، في محاولة واضحة للاستيطان، حيث تمّ استثمار العامل القومي لدى الإيغور، وليس فقط العامل العقائدي، الذي يربط عادة بين الجهاديين.

إن هذه التجربة “القاعدية” الخاصّة، تؤكد لنا من جديد أن “القاعدة” كائن متحوّل، ولا يمكن توقّع أشكاله، كما تؤكد التجربة أيضاً تنوع الاستثمار في “القاعدة” نفسها، وأنه يمكن إضافة عوامل جديدة على البعد العقائدي، مثل العامل القومي، لما ينطوي عليه من تعقيدات، خصوصاً في بعض البدان الآسيوية، أو دول البلقان.  

المصدر: العدد السادس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *