تفشّي الدعارة في مناطق سيطرة حكومة الأسد.. ” لا أخجل من ذلك أبداً”

الاتحاد برس 
حسّان الشيخ

 

“لا أستطيع أن ألومهنّ كما وأنّي لا أستطيع أن أشيد بما يُقْدِمْنَ عليه؛ فقضية ممارستهنَّ للدعارة تنطوي على عدّة أمور في طليعتها هو فقر الحال الذي ألمّ بالسوريين ودفع بعضاً من النساء لامتهان هذه “المهنة” _إنْ صحّ التعبير_ تحت ظروف أعتبرها طاحنةً. ” تقول منى (33 عاماً)، باحثة في علم الاجتماع وناشطة مدنية سورية، للاتحاد برس.

تتفشّى ظاهرة انتشار بيوت الدعارة في مناطق سيطرة السلطات السورية بالتزامن مع انهيار غير مسبوق يشهده الاقتصاد السوري وتفاقمٍ في معدّلات البطالة بين الشباب ومن يكبرونهم على حدّ سواء، وتتجلّى هذه الظاهرة بأوضح صورها في دمشق وريفها؛ حيث توافر فرص العمل أو السفر أصبحت حلماً بعيد المنال لِمَنْ تبقّى من السوريين.

وبعد التقصّي والبحث حولَ طبيعة هذه السوق العامرة؛ بدا واضحاً أنّ غالبية المستدرجات من الفتيات إلى تلك البيوت تتراوح أعمارهنَ بين الـ15 عاماً والـ28 عاماً، ومعظمهنَ ممّن ضاقت بهن الحياة ذرعاً وآسوا ما آسوا خلال الأزمة المعيشية التي يقاسيها السوريون يومياً. ولكن هل العوز المادّي والحاجة هي الدوافع الوحيدة خلفَ إقبال الشابات على تلك البيوت؟ ثمّ من يشجّع هذه الظاهرة ويحمي مستثمريها؟ من هم روّاد تلك البيوت؟ وكيفَ يرى المختصّين إلى هذا النوع من الظواهر؟

” لا أخجل من ذلك أبداً!”

استطاعت الاتحاد برس، بعدَ محاولات عديدة فاشلة، من الاتصال بإحدى الفتيات اللواتي يعملن في بيت للدعارة في منطقة الدخّانية في العاصمة دمشق، تسمّي نفسها “مروى” وتدّعي أنّها جاءت من حمص قبل أربعة أعوام هرباً من بطش والدها المتزمّتْ.

التقينا بمروى في إحدى المقاهي ولم نخفِ عليها هدفنا من اللقاء؛ فاستجابت مرحّبةً بذلك كونها تعتقد أنّ هناك العديد من الأفكار الخاطئة التي يعتقد بها الناس حول هذه المسألة وستكون مسرورة لو أتيحت لها الفرصة لتصويب هذه الأفكار.

تقول مروى:

” في وضع معيشي كالذي نمرّ بهِ لا يمكن لأيَّ فتاة مستقلّةً عن أهلها أن تعيل نفسها من دون عمل، وإذا اتينا إلى الواقع فإنّ الأعمال المتاحة، إن كانت كذلك أصلاً، لا تكفي ربع إيجار المنزل الذي قد تستأجره تلك الفتاة، فكيف لها بذلك أن تعيل نفسها!.

وتشرح مروى عن الصعوبات التي تواجهها الفتيات اللواتي يتخذن قراراً في الاستقلال والاتكال على أنفسهن، فمن الإساءة والتحرّش إلى غياب فرص العمل تقاسي الفتاة السورية أصعب الظروف الحياتية، وتضيف مروى: ” عندما أتيت إلى دمشق لم يكن في نيّتي أن أسلك هذا الطريق، ولكن عندما رأيت أنّ الجميع يحاول “نهشي” ويحاول تكريس علاقته معي بغرض استمالتي إلى الفراش، إضافة إلى بؤس الحال والحاجة الملحّة؛ كان لا بدّ من وضع حدّ لهذا الأمر بتقنينه والاستفادة منه.”

في حين كشفَ تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ ” هناك انتشار لبيوت الدعارة بشكل كبير في معظم مناطق سيطرة السلطات السورية، وبشكل متزايد في العاصمة دمشق وضمن أماكن انتشار الميليشيات الإيرانية و”حزب الله” اللبناني، وذلك في ظلّ الانحلال الأخلاقي والفقر.”

كما وأشار التقرير إلى أنه في ريف العاصمة دمشق، تحديداً في منطقة التلّ، ألقت قوات الشرطة على امرأة تدير شبكة دعارة، وتعمل معها نحو 10 فتيات، بعد أن اعترفت إحداهنَ عن أفراد الشبكة والسيّدة التي تديرها.

ومن جهتنا سألنا مروى ما إذا كانت تشعر بالخجل أو شيء من هذا القبيل إزاء امتهانها للدعارة، فكان الردّ:

“إنّ المجتمع لا يفعل شيئاً لتخليصنا من هذا العذاب الذي وصلنا إليه وبالتالي لا يمكنه أن يلومني ويرى أنّي أنا المشكلة، ولذلك فأنا لا أخجل من ذلك أبداً.” 

“لبنانيون وعراقيون وإيرانيون .. الجميع يأتي إلينا”

وفي معرض حديثنا ومروى أخبرتنا بأنّ بيت الدعارة الذي تعمل بهِ يستقطبُ عشرات الأشخاص من مختلف الجنسيات، فتقول: ” يأتي إلينا لبنانيون وعراقيون وإيرانيون، الجميع يأتي إلينا لأنّهم يعيشون هنا منذ مدّة من دون زوجاتهم أو عائلاتهم.”

وتشير مروى إلى أنّ معظم الوافدين إلى ذلك البيت هم من الضبّاط والمجنّدين وغيرهم من العسكريين، إضافة إلى بعض الشخصيات البارزة في المجتمع السوري من مسؤولين وممثّلين الذين لم تفصح عن أسمائهم، وتقول: ” إنّ صاحبة المنزل توصي ببعض الزبائن وترفض بعضهم، وتحدّد وتتحكّم في الأموال باختلاف الزبائن ومقاماتهم، وإذا كانوا من العسكريين.”

يوجد في بيت الدعارة الذي تتردّد إليه مروى ثلاث غرفٍ وخمس فتياتٍ “مداومات”، حسب تعبير مروى، وعشرات المتقطّعات يأتون ساعة الطلب، ولا تحصل الفتيات سوى على نسبة ضئيلة من كامل المبلغ الذي توزّعه المالكة نهاية كلّ خدمة تقدمها إحدى الفتيات.

وبيَن المرصد في تقريره سابق الذكر، أنّه في منطقة الساحل السوري أيضاً، اكتشف أهالي زيارة عدد كبير من الشبّان إلى منزل رجل وامرأة في مدينة طرطوس، ليتمّ اخبار قوى الشرطة واعتقالهما، كما وإنّ صاحب المنزل يروّج الحبوب المخدّرة، بينما كانت الزوجة تمارس الرذيلة مع الشبّان مقابل الحصول على مبلغ مالي.

كما وتمّت مصادرة كمّيات من الحشيش، وهي عبارة عن 5 قطع تزن كل واحدة منها 15 غرام، إضافة لحبوب ومنشّطات جنسية عثر عليها في المنزل.

وأوضح التقرير أن ظاهرة انتشار بيوت الدعارة تتزايد تزامناً مع انتشار المواد المخدّرة في عموم مناطق السلطات السورية، وسلّط الضوء على قضية تفشّي المخدّرات ضمن مختلف مناطق السيطرة مؤكّداً على الانتشار الأكبر ضمن مناطق السلطات والميليشيات الموالية لها، في ظلّ حالة الفلتان الأمني التي شهدتها معظم المناطق السورية التي جعلت من هذه التجارة أمراً اعتيادياً وسهل التداول وأمام العلن، في انتهاكٍ صارخ لجميع المواثيق الدولية.

الدعارة .. بين المبرَّر واللا أخلاقي

وللإحاطة بطبيعة هذه الظاهرة ومسبّباتها وكلّ ما يرتبط بها من الجانب الاجتماعي التقينا بمنى (33 عاماً)، باحثة في علم الاجتماع وناشطة مدنية سورية، وتحكي منى للاتحاد برس عن أهمّ الأسباب التي تدفع بالفتيات لانتهاج هذا النهج بالقول:
” إنّ تردّي الأوضاع المعيشية في سوريا هو العامل الرئيس في هذا الموضوع، فالفتيات هنا يبحثن دائماً عن سبلٍ لتغطية احتياجاتهن “البنّاتية” واحتياجات دراستهن أو معيشتهن، كما وأنّ كثيرات منهنّ أصبحن اليوم مسؤولات عن عائلات.”

وتضيف منى: “هذا عدا عن أنّ الحرب السورية غيّبت كلّ المؤسّسات التي كانت بمثابة حاضنة للأفراد في الماضي من الأسرة إلى المدرسة وحتّى الجامعة، فراح الشباب يجترح حلولاً بديلة ويقترف الكثير من هذه الأخطاء.”

ويحسب منى، فإن المأساة السورية وحالة عدم الاستقرار الذي يعيشه الشباب في الداخل السوري جميعها عوامل تساهم في تفاقم هذه الظاهرة؛ فتقول: “في ظل انعدام فرص الزواج، وعدم قدرة تلك الفتيات على تحصيل أمان وظيفي عبر مؤسّسات الدولة أو غيرها من المؤسّسات لا بدّ وأن نجد أنفسنا أمام ظواهر كهذه، فالتغيّرات الكبرى في المجتمع السوري ستنعكس بشكل مباشر على أداء الأفراد ضمن المجتمع وتجعل منهم أفراداً محبطين يبحثون عن الحدود الدنيا من الأمان المادي والمعيشي عبر أي من الوسائل.”

وتكمل منى: “أدّى تشريد ملايين السوريين إلى تهاوي النسيج الاجتماعي، ولم يعد هناك من مصادر لكسب الرزق ممّا سهل استغلال النساء والفتيات ممّن لا حول لهنَّ ولا قوّة لفعل شيء آخر في هذه الظروف.”

وتشير منى نهايةً إلى أنّها ” لا أستطيع أن ألومهنّ كما وأنّي لا أستطيع أن أشيد بما يُقْدِمْنَ عليه؛ فقضية ممارستهنَّ للدعارة تنطوي على عدّة أمور في طليعتها هو فقر الحال الذي ألمّ بالسوريين ودفع بعضاً من النساء لامتهان هذه “المهنة” _إنْ صحّ التعبير_ تحت ظروف أعتبرها طاحنةً. ”

وتبدو الدعارة في سوريا بمثابة ظاهرة لخافية عظيمة ترزح تحت قشرتها عشرات المسبّبات التي تدفع بالفتيات والشباب على حدّ سواء لاقتراف كلّ ما يسمّى “لا أخلاقي” كردّ فعلٍ على الأوضاع المزرية التي وصلت لها البلاد وأيضاً كحلول مؤقّتة في مواجهة البطالة وتدهور الأوضاع المعيشية.

 

قد يعجبك ايضا