حدثحصاد اليومرصد

فنٌّ منسي يعود على أيدي 33 فنانًا سوريًا … “رؤى دمشقية”

الاتحاد برس_دمشق:
إعداد : وديع فرح

الضغط على النحاس فنّ دمشقيّ أصيل، امتهنه سكان المدينة القدماء وكان علامة فارقة في تاريخ الفنّ الدمشقيّ. والضغط على النحاس حرفة فنّية تشهد انحسارًا مستمرًا في الإنتاج، ويعود ذلك لأسباب عديدة نذكر منها تدهور القطاع السياحي في البلاد وخاصة دمشق.

استضاف المركز الثقافي العربي، في دمشق أبو رمانة، معرض “رؤى دمشقية” الأحد 24 نوفمبر. ضمّ المعرض اعمالاً ل 33 فناناً وفنانة سورية في “الضغط على النحاس”، تنوّعت الأعمال بين الزخرفيات النباتية والخطيّة الإسلامية والبورتريه والرموز الوطنية.

لم تعد حكراً على الرجال ..

تقول الفنّانة دعد للاتحاد برس: ” إن هذه اللوحات الإثنا عشر، وبالرغم من بساطتها، إلا أنها تعني لي الكثير; لأنها تُعدّ من المشاركات النسويّة الأولى في هذا الفنّ.”

وتضيف: ” تعلّمت الضغط على النحاس بفضل شيخ الكار “أبو عصام” الذي درّبنا لمدّة أسبوعين في دورة خاصة على هذه الحرفة الجميلة.


وأقيمت الدورة لأكثر من 33 فناناً في منطقة التكية السليمانية في دمشق برعاية منظمة “الهلال الأحمر”. “

وتردف: ” أحببت التعرّف أكثر على مادة النحاس فكانت مرونتها جذابة ولست نادمة على هذه التجربة لأنها أضافت لي الكثير.

” منحتني شرف كوني من أولى النساء المشاركات في تطوريها، فهي أيضاً أضافت لفنّي الكثير من التقنيات الجمالية”


وفي لقاء لها مع الاتحاد برس على هامش المعرض، تقول الفنّانة سوزان حلاق: ” أنا فنّانة تشكيلية أعمل في مجال الفنون الخزفية ومدرسة في معهد الفنون التطبيقية في قلعة دمشق، اعتبر فنّ “الضغط على النحاس” تجربة جديدة لي، عملت على أكثر من لوحة وكانت الحرفة فريدة في جمالها، وقدّمت اللوحات على أمل أن أضيف شيء جديد على الفنون النحاسية. “

الفنانة سوزان حلاق

وتردف: ” لقد كان النحاس خام جذّاب لي ولزملائي الفنانين لما فيه من بريق لا نجده في الخزف والفخار والطين، وما هو مهم بالنسبة لي الآن أن اتمكّن، بعد فروغي من المعرض، من إضافة رسوم “روليف نحاس” على فنّ التشكيل بالفخار الذي أعمل عليه في الوقت الحالي.”

الفنّ الدمشقيّ هوية وتراث مُهدد .. تاريخ الحرف النحاسية

استضاف المركز الثقافي العربي، بعد المعرض، محاضرة للدكتور خالد فياض للحديث عن تاريخ الحرف النحاسية. وشارك في المحاضرة كلّ من المتدرّبة سحر سيروان والحرفي أحمد الضعضي أو كما يطلقون عليه المتدربون والدكتور فياض “أبو عصام”.

استرسل الدكتور فياض، بسرد تاريخيّ مُحكم، في حديثه حول تطوّر الحرف النحاسية في مدينة دمشق فيذكر لنا أسماء بعض الحرف وتاريخ نشأتها كـ”التكفيت” وهي حرفة تنزيل الذهب على النحاس راجت في العصر الأمويّ، وحرفة “تسحيب الفضة” وهي حرفة أمويّة تجعل الفضة خيوطاً وتزين بها النحاس، و”الحفر على النحاس” والذي يختلف عن النقش ويستعمل به أزاميل خاصة وامتازت به دمشق عن سائر حواضر البشرية حسب الدكتور فياض، والتفريغ والتجويف والنقش والبلص والعديد من الحرف التي تعتبر دمشقية بامتياز.

كما استعرض الدكتور فياض العديد من الصور للتُحف التي كانت تُصنع في دمشق في كلّ من العصر المملوكي والأمويّ والعثماني، وتلك التي كانت تصنع في أندلس في العصر الأمويّ مقارناً بينها ومبيّناً التواؤم بين الصناعة الدمشقية والأندلسية مؤكداً تأثر الأخيرة بالصناعة الدمشقية واستنادها عليها.

وبيّن الدكتور فياض، من خلال وثائق مصوّرة ومسجّلة، القيمة الجوهرية التي تحملها تُحف توجد إلى الآن في بعض الجوامع الدمشقية. وعرض صوراً لتجار دمشقيين في بداية القرن ال20 توضّح أهمية هذه الفنون والحرف ودخولها في صلب اقتصاد هذه المدينة آنذاك، وتاريخا وهويتها في الوقت الحاضر.

وعن سؤالنا إياه ” كيف يمكن تطوير سوق هذه الفنون والحرف في زمننا الحاضر؟” يجيب : ” علينا أولاً الاعتناء بالجودة وعدم الاكتفاء بالتقليد، فالتطوير في الفنّ يصحبه تطوير في السوق، وعلى الجهات المعنية أنّ تنسّق في ما بينها لتأمين فرص بيع من خلال الدعم المستمر والبازارات الفنّية”.

وتقول سحر سيروان، المشرفة والمتدرّبة في المركز الثقافي، حول فنّ النحاسيات: “نعتبر التعامل مع النحاسيات نقطة انطلاق; لأن من خلالها يمكن تعلّم الرسم والحفر والنحت، وشهدت هذه التجربة بالذات قبولاً نسويّاً لم تعهده هذه الحرفة (الضغط على النحاس) من قبل. ويعد هذا الدعم لمثل هذه الحرف “تفريغ للشحنات” بالنسبة للسيدات ربات المنزل أو اللواتي يحتجن إلى عملٍ يتكسّبن منه رزقهن فلا تبقى بالنسبة لهن مجرد “تفريغ شحنات” لكن، ومع الوقت، تصير إلى مهنة مستقلة وعمل مربح.”

أمّا الحرفي أحمد ضعضي “أبو عصام” يوضّح لنا أنّ هذه الحرف كانت في السابق تُحتكر من قبل العوائل، وتصير مع الزمن إلى “كنية” تحملها عائلة دون العوائل. فيقول: ” لدينا بيت “النحاس” وبيت “الصايغ” والعديد من البيوت التي كانت عوائلها قد احتكرت تعلّم وتعليم هذه الحرف لما يزيد عن عقد من الزمن. ولكن الآن نقوم بالتشجيع على هذه الخطوات الحكومية والمستقلّة لدعم الدورات الخاصة بتعليم هذه الحرف لما أوجدناه من قبول عليها وحاجة لها أكان في السوق أو لدى الفنانين”.

لوحات مُلفتة .. لمشاركات خجولة

يوضّح الفنّان هوزام فرحتيان، في حوار مع الاتحاد برس، أنّ هذه الدورات والمعارض تعتبر ضرورة لا غنى عنها لما تقدّمه للشباب السوري من دعم في مجال الحرف الدمشقية.

ويقول: ” أنا وبوصفي مهندساً وجدتني بداية الأمر مهتماً للغاية بالعمارة والزخرفيات الإسلامية، ولكن مع البحث والدراسة تطوّر اهتمامي فشمل الفنون والحرف الدمشقية. ولا بد للمهتمين في مجال هذه الحرف أن تؤمَّن لهم الفرص لتطوير اهتمامهم. وأجد في مثل هذه الفاعليات مناسبة ممتازة للخوض في هذا المجال” .

الفنان التشكيلي هوازم فرحتيان

وعن لوحتهِ “الوعل” يقول: ” استلهمت هذه اللوحة من المشهد الذي نعيشه حالياً في سوريا، فكان الوعل لدى الحضارات المنصرمة التي مرّت على سوريا رمزاً للسلام والمحبّة، وما أحوجنا في هذا الوقت للحبّ والسلام.”

أمّا المهندسة والفنّانة نور بيطار فتحكي لنا عن تجربتها قائلة : ” تعتبر هذه الفاعلية مشاركة جديدة بالنسبة لي وبصمة فريدة أضيفها على الفنّ الذي تعلّمته في الجامعة. كانت لي مشاركات أخرى في لوحات زيتية في معرض الميدان كما شاركت في معرض دمشق الدوليّ في مجال الفنّ التعبيري.”

الفنانة التشكيلية نور بيطار

وتؤكد: “لست مهتمة ببيع لوحاتي فأنا أعمل على الفنّ لأجل الفنّ، فلي تجارب عديدة في كلّ من فنّ القيشاني والنحاسيات بشكل عام علاوة على عملي في هندسة الديكور والرسم التصويري، وأكون سعيدة بمجرد مشاركتي في هذه المعارض التي تسمح لي بالظهور في المشهد الفنّي من جهة، وتجمعني بأبناء مهنتي من الفنانين من جهة أخرى.”

إنّ الحرف النحاسية على اختلافها وبالإضافة للكثير من الحرف الدمشقية التي تزيد عن ال105 أنواع تبقى دليلاً واضحاً على عراقة هذه المدينة ومرشداً حيّاً على حضارتها الغنية.
واحتضان ودعم هذه الحرف من قبل المؤسسات الحكومية والمستقلّة تعتبر خطوة حاسمة من خطوات إعادة إحياء هذه الحرف التي باتت، في ظلّ الحرب السورية، إرثاً مهدداً بالزوال نتيجة كساد سوق التحف الشرقية وهجرة العديد من الحرفيين المعلّمين والمنتجين في مجالها، هذا بالإضافة إلى نقص المواد الخام جراء العقوبات المفروضة على البلاد.

وإزاء كلّ هذه الضغوط لا يمكنّنا إلا أن نشجّع على مثل هذه الإجراءات التي تساهم فعلاً في الحفاظ على هوية المكان وسكانهِ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق