الرئيسية / أخبار سوريا / أيديولوجيا الفصائل الإسلامية السورية ومحك الحواضن الشعبية

أيديولوجيا الفصائل الإسلامية السورية ومحك الحواضن الشعبية

أيديولوجيا الفصائل الإسلامية السورية ومحك الحواضن الشعبيةأيديولوجيا الفصائل الإسلامية السورية ومحك الحواضن الشعبية

مع مرور حوالي ستة أعوام على اندلاع القتال المسلح في سورية، اكتسب هذا القتال أبعاداً إقليمية ودولية سياسية وعسكرية، أدت إلى تزايد أعداد الفصائل الإسلامية المناهضة للنظام السوري، التي تنوّعت بحسب ولاءاتها الخارجية، وطبيعة حواضنها الشعبية المحلية، إلا أنها تشترك معظمها نظري ا في سعيها لإعادة الخلافة الإسلامية، بينما يدور التنافس فيما بينها على المناطق والموارد والنفوذ، وهو ما يمكن أن ينتج عنه تحدّ يات شعبية محتملة، قد تؤدي إلى ضعف وتراجع تلك التنظيمات بعد صعود ملموس في السنوات الأولى، بسبب انفلات زمام الأمن في كافة المحافظات والمجتمعات السورية.




رغم وجود عدة فصائل محلية ثانوية متناثرة هنا وهناك على الساحة السورية، إلا أن تنظيمات قليلة في الواقع هي من تمكّنت من فرض نفسها كقوى أساسية في الطيف المسلح الإسلامي، ذات خطاب أيديولوجي واضح. وهي”

أولاً تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) : يستند هذا التنظيم إلى تيار متزمت من السلفية، ويقدّ م نفسه على انه – ممثل الإسلام الحقيقي، ويمتلك خطابا تكفيريا جاذبا لبعض الفئات، وقد أسهمت الحالة التكفيرية للتنظيم في اتقانه الاستغلال المنظم للكراهية، وتعميق الانقسام الطائفي، مستفيدا من المناخ العام في الشرق الأوسط، والصراع السني الشيعي، مستثمر ا هذا الصراع لتبرير أفعاله أمام حواضنه الشعبية، خصوصا أن شرعيي التنظيم صعّ دوا خطاب الكراهية ليطال الحكام المسلمين في المنطقة.

هنالك احتمال ضعيف لتوحيد صفوف “داعش” في المستقبل القريب، نتيجة للهجمات الدولية والإقليمية، واحتمال خسارة عاصمته ” الرقة” في المستقبل القريب. بما أن التنظيم يعاني اليوم من حالة تفكك في الشرق والجنوب السوري، فإن ثمة تحدّ يات اجتماعية قد تسفر عن تخلي حاضنته الشعبية عنه، والممتدة على طول نهر الفرات وحوران وريف حمص وضواحي دمشق الجنوبية، ما يعني أن وجوده قد يصبح عرض ة للسقوط في أي وقت. إلا أن فكرة انقراضه على الساحة السورية غير واردة تماما ، كون هذا التنظيم بارع في الذوبان بين المكونات الاجتماعية والشعبية، ويحترف حرب العصابات.

أدّت ممارسات التنظيم الوحشية من خلال عمليات النحر، وإحراق الأحياء، وأساليب الإعدام الوحشية الإرهابية، لخسارته لحاضنته الشعبية، سوا ء في مناطق نفوذه، أو في البلدان المجاورة. هذا السلوك المتطرف، ضمن الظروف الجديدة، لم يعد قادرا على تغذية عمليات التجنيد لصفوفه.

إن التحدي الحقيقي هو مواجهة أيديولوجيا التنظيم، فهو على الرغم من عدم انضمام منظرين جدد للتنظيم، بل ابتعاد بعض منظري الجهادية عنه، مثل أبو محمد المقدسي، إلا أن خطابه مرتبط بنتائج الصراع المسلح، وتوافقات القوى الإقليمية والدولية، والتي ما زال يكتنفها الكثير من الغموض، بما يخص ترتيبات المرحلة اللاحقة.

ومن الممكن أن يكون السيناريو المحتمل هو حدوث عملية انشقاق ضمن “داعش”، وانبثاق تنظيمات صغيرة، خصوصا إذا ازدادت حدّة الضربات الموجهة له، وربما تسعى تلك التنظيمات إلى إحداث تغييرات في خطابها الأيديولوجي، يتناسب أكثر مع متطلبات المرحلة القادمة.

ثانياً جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) : ترى هذه الجبهة تفوّ ق المصالح المحلية السورية على الأيديولوجيا – الجهادية. هنالك ضغوطات وتحديات داخلية وخارجية كانت وراء انفصال “جبهة النصرة “عن التنظيم الأم “تنظيم القاعدة”. لكن بعض الخبراء يرون أن هذه الخطوة جاءت فقط لتغيير الاسم، والإفلات من العقاب الدولي. تنتشر قوى “جبهة فتح الشام” في جنوب وشمال سورية ووسطها، مع تواجد مهم لها في محيط العاصمة دمشق.

ومع استمرار الضغوط الأمريكية لمحاربة “جبهة النصرة”، فإن احتمالات الانقسام أصبحت واردة، وسيلعب العامل الأيديولوجي دورا في ذلك، فالجبهة تمتلك قادة متشددين، خصوصا من القادة غير العرب، كما أن بعض القادة المحليين قد يرضخون للظروف الدولية، ويقوموا بتبني خطاب يركز على الإسلام المحلي، بعيدا عن عالمية الجهاد، في محاولة لعدم خسارة الحاضنة الشعبية التي يتواجدون فيها، وتشكل عمقهم الرئيس في مواجهة قوى أخرى.

ثالثاً حركة “أحرار الشام”: لم يكن للحركة عند نشأتها صلات أيديولوجية مباشرة بتنظيمات جهادية كبرى، على – غرار “داعش”، و”جبهة النصرة”، كما أنها لا تنتمي إلى “الجيش الحر”، وتعتبر محافظة إدلب المعقل الرئيس للحركة وقادتها.

حققت الحركة إنجازات عسكرية سريعة خلال فترة وجيزة. وتسعى هذه الحركة إلى إبراز نفسها ضمن البعد المحلي الوطني، من خلال اعتمادها على مقاتلين سوريين، وتضم في صفوفها قادة قريبون من “الإخوان المسلمين”.

أسهمت الأيديولوجيا المعتدلة للحركة في خطابها الديني في كسبها حاضنة شعبية نوعية، خصوصا في ظل الدعم التركي والقطري، وفي ظل التنسيق السياسي مع الإخوان، حيث تمكّنت من إنشاء منظمات مجتمع مدني قريبة منها، تعمل بتوجيهاتها، وتسدّ الكثير من الاحتياجات المحلية، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة.

إن خروج الحركة من قائمة المنظمات الإرهابية أكسبها فرصة لأن تكون أكثر قابلية للتطور، والالتزام بنهج اسلامي معتدل. من أهم التحدّ يات الشعبية وجود تيار متشدد داخل الحركة، أكثر تشدد ا من خطها المعلن، وقريب من “جبهة فتح الشام”، والسيناريو المحتمل هو الاهتمام بمواصلة القتال، وتبني خطاب قيام دولة إسلامية تحكم سوريا. من أهم التحديات الشعبية المحتملة للحركة أن يحتدم الصراع الأيديولوجي ضمن الحركة بين التيار القريب من الإخوان المسلمين وبين التيار الأقرب إلى “جبهة فتح الشام”، خصوصا إذا ما وجد هذا الأمر داعما خارجيا .

يبدو ان عملية تنافس وتناحر الفصائل الإسلامية المسلحة، سوف تسفر عن انشقاقات عميقة وتحولات جذرية في خطاباتها الأيديولوجية، وتخ لّي بعض حواضنها الشعبية المجتمعية عنها، وتؤشر هذه الحالة إلى فشل المشروع الجهادي، الذي لم يتوحّ د أصلا على الساحة السورية.

هذا التشظي والاختلاف في السلوك بين الفصائل رغم تقارب الخطابات الايديولوجية بينها أدى إلى فشل الفصائل الإسلامية المسلحة في بناء خط ديني إسلامي معتدل وموحّ د ومقبول محلي ا وإقليميا ودولي ا ، ويبقى أن حالة الانقسامات داخل تلك الفصائل قد تجد في فشل الحلول السياسية أرضا خصبة لولادة دورات متكررة من العنف.

المصدر: مركز أسبار للدراسات والبحوث

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *